رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٩٧ - تأويل القدح في المختار
عليهم الغارة، فلمّا قرب منهم قال الأعرابي: كم بيننا و بين القوم؟
قال: ميل و من ورائهم الحصين بن نمير في أربعة آلاف و من ورائهم الصلت في أربعة آلاف و جمهور العسكر مع ابن زياد، فساروا حتّى أشرفوا على عسكر الشام، فقال المسيب لأصحابه: كرّوا عليهم، فحمل عليهم عسكر العراق فانهزموا و قتل منهم خلق كثير و غنموا منهم غنيمة عظيمة و رجعوا إلى سليمان و وصل الخبر إلى ابن زياد، فسرّح إليهم الحصين بن نمير في عشرين ألفا و عسكر العراق ثلاثة آلاف و مائة فحمل عليهم عسكر العراق فهزموهم و ظفروا بهم و حجز الليل بينهم ثمّ قاتلوهم ثلاثة أيّام فأمر الحصين أهل الشام برمي النبل فجاءت السهام كالشرار المتطاير فقتل سليمان (رحمه اللّه).
ثمّ أخذ الراية المسيّب فقاتل قتالا خرّت له الأذقان ثلاث مرّات، فلم يزل يكرّ عليهم فيفرّون حتّى تكاثروا عليه فقتلوه ثمّ أخذ الراية عبد اللّه بن سعد و قاتل أشدّ قتال حتّى قتل و تقدّم عبد اللّه بن وال فقاتل حتّى قطعت يده اليسرى، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم العسكر من البصرة و من المدائن فاشتدّت قلوب أهل العراق و اجتمعوا و كبّروا و اشتدّ القتال حتّى بان في أهل العراق الضعف و الذلّة و تحدّثوا في ترك القتال، ثمّ عاد أهل الكوفة و أهل البصرة و أهل المدائن إلى بلادهم و المختار محبوس فكتب إلى أصحاب سليمان:
أمّا بعد، فإنّ اللّه عظّم لكم الأجر و حطّ عنكم الوزر و انّي لو خرجت إليكم جرّدت فيما بين المشرق و المغرب من عدوّكم بالسيف بإذن اللّه إلى آخر الكتاب، فوقف عليه جماعة من رؤساء القبائل و فرحوا به و كتبوا إليه: إن شئت أن نأتيك حتّى نخرجك من الحبس، فكتب إليهم: إنّي أخرج في أيّامي هذه، و قد كان المختار بعث إلى عبد اللّه بن عمر بأن يكتب إلى عبد اللّه بن يزيد و إبراهيم بن محمّد بالخلاص من أيديهما، فكتب ابن عمر إليهما بخلاص المختار فطلبوا منه كفلاء بأن لا يخرج عليهم و حلّفاه فإن هو خرج فعليه ألف بدنة ينحرها عند باب الكعبة و مماليكه أحرار، فخرج و جاء إلى داره و قال: قاتلهم اللّه ما أجهلهم حيث يرون أنّي أفي لهم بأيماني هذه، أمّا الحلف فتركه إلى ما هو خير منه جائز، و أمّا هدي ألف بدنة فهو هيّن عليّ، و أمّا عتق مماليكي، فإذا أخذت الثأر وددت أنّي لا أملك مملوكا أبدا، و لمّا استقرّ في داره اختلفت الشيعة إليه.