رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٢١ - الفصل الثالث في مقتله
بدأهم بذلك العبّاس.
ثمّ قام إليه ابن عوسجة فقال: لو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة و لو علمت أنّي اقتل ثمّ احيا ثمّ احرق ثمّ احيا ثمّ اذرّى يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك فكيف لا أفعل ذلك و إنّما هي قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها، و تكلّموا مثل كلامه فجزاهم الحسين (عليه السّلام) خيرا و انصرف إلى منزله.
و قيل لبشر بن محمد الحضرمي في تلك الحال: قد أسر ابنك بثغر الريّ، فقال: عند اللّه أحتسبه و نفسي فسمع الحسين (عليه السّلام) قوله فقال له: أنت في حلّ من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال: أكلتني السباع حيّا إن فارقتك فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار لفكاك ابنه و بات الحسين (عليه السّلام) و أصحابه تلك الليلة و لهم دويّ كدويّ النحل ما بين راكع و ساجد و قائم و قاعد.
فلمّا كان الغداة أمر الحسين (عليه السّلام) بفسطاط فضرب و أمر بجفنة فيها مسك كثير، فجعل فيها نورة ثمّ دخل ليطلي و أصحابه بعده فجعل برير يضاحك عبد الرحمن الأنصاري، فقال له عبد الرحمن: ما هذه ساعة ضحك، فقال: إنّما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه، فو اللّه ما هو إلّا نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة ثمّ نعانق الحور العين.
و قال عليّ بن الحسين (عليه السّلام): إنّي جالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها فدخل أبي في خباء له يعالج سيفه و يصلحه و يقول شعر:
يا دهر اف لك من خليل* * * كم لك في الإشراق و الأصيل
من طالب و صاحب قتيل* * * و الدهر لا يقنع بالبديل
و إنّما الأمر إلى الجليل* * * و كلّ حيّ سالك سبيلي
فعلمت ما أراد فخنقتني العبرة و علمت أنّ البلاء قد نزل، و أمّا عمّتي زينب فلم تملك نفسها فمشت تجرّ ثوبها حتّى انتهت إليه و قالت: وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت امّي فاطمة و أبي علي و أخي الحسن، يا خليفة الماضي و ثمال الباقي فقال لها: يا اختاه لا يذهبن حلمك الشيطان و ترقرقت عيناه بالدموع و قال: لو ترك القطا لنام، فقالت: يا ويلتاه تغصب نفسك اغتصابا، ثمّ لطمت وجهها و شقّت جيبها و خرّت مغشيّة عليها فصبّ