رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢١٨ - الفصل الثالث في مقتله
بزرود، فلمّا دنونا منه إذا نحن برجل من الكوفة و قد عدل عن الطريق فلحقناه و قلنا له اخبرنا عن الناس قال: لم أخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة و رأيتهما يجرّان بأرجلهما في السوق، فأقبلنا حتّى لحقنا بالحسين (عليه السّلام) فقلنا: إنّ عندنا خبرا إن شئت حدّثناك به علانية و إن شئت سرّا فنظر إلى أصحابه و قال: ما دون هؤلاء ستر، فقلنا: اخبرنا الراكب بقتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة، فقال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون رحمة اللّه عليهما، فقلنا:
ننشدك اللّه الّا انصرفت من مكانك و انّا نتخوّف عليك، فنظر إلى بني عقيل فقال: ما ترون فقد قتل مسلم؟
فقالوا: ما نرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق، فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء الفتية، فعلمنا أنّه عزم على المسير، فقلنا له: خار اللّه لك [١].
و في رواية اخرى: إنّه لمّا أخبر بقتل مسلم أمّا أنّه قد قضى ما عليه و بقى ما علينا، ثمّ قال شعر:
فإن تكن الدّنيا تعدّ نفيسة* * * فدار ثواب اللّه أعلى و أنبل
و إن تكن الأبدان للموت انشئت* * * فقتل امرء بالسيف في اللّه أفضل
و إن يكن الأرزاق قسما مقدّرا* * * فقلّة حرص المرء في الرزق أجمل
و إن تكن الأموال للترك جمعها* * * فما بال متروك به الحرّ يبخل
ثمّ سار حتّى مرّ ببطن العقبة فلقيه شيء من بني عكرمة، فقال للحسين (عليه السّلام): أنشدك اللّه لما انصرفت فو اللّه ما تقدم إلّا على الأسنّة و حدّ السيوف فقال؛ لا يخفى عليّ الرأي، ولكن اللّه تعالى لا يغلب على أمره، ثمّ قال: و اللّه لا يتركونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط اللّه عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الامم، ثمّ سار حتّى انتصف النهار فبينما هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه، فقال له الحسين (عليه السّلام): لم كبّرت فقال: رأيت النخل.
قال جماعة من أصحابه: ما عهدنا هنا نخل، فقال الحسين (عليه السّلام): ما ترون؟
قالوا: نرى أسنّة الرّماح و اذان الخيل، فقال: و أنا أرى ذلك فأخذوا ذات اليسار
[١]- بحار الأنوار: ٤٤/ ٣٧٢، و العوالم: ٢٢٣.