رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٢٨ - الفصل الثالث في مقتله
يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا، فرجع إلى القتال حتّى قتل تمام المائتين ثمّ ضربه ملعون على مفرق رأسه و ضربه الناس بأسيافهم، فلمّا بلغت الروح التراقي نادى: يا أبتاه هذا جدّي رسول اللّه قد سقاني بكأسه الأوفى و هو يقول: العجل العجل فإنّ لك كأسا مذخورة فصاح الحسين: لعن اللّه قوما قتلوك على الدّنيا بعدك العفا.
قال حميد بن مسلم: فكأنّي أنظر إلى امرأة كأنّها الشمس خرجت مسرعة تنادي: يا نور عيناه، فقيل: هي زينب بنت علي فجاءت و انكبّت عليه فردّها الحسين (عليه السّلام) إلى الفسطاط و حملوه إلى قتلاهم.
قال أبو الفرج: عليّ بن الحسين هذا هو الأكبر و لا عقب له و يكنّى أبا الحسن و امّه ليلى بنت أبي مرّة و هو أوّل من قتل في الوقعة.
ثمّ قالوا: و خرج من تلك الأبنية غلام و في اذنيه درّتان و هو مذعور يلتفت يمينا و شمالا و قرطاه تذبذبان، فحمل عليه هاني بن بعيث لعنه اللّه فقتله فصارت شهربانو تنظر إليه و لا تتكلّم كالمدهوشة ثمّ التفت الحسين (عليه السّلام) يمينا و شمالا فلم ير أحدا من الرجال، فخرج عليّ ابن الحسين زين العابدين و كان مريضا فقال الحسين: يا امّ كلثوم خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمّد و تقدّم الحسين إلى باب الخيمة فقال: ناولوني ابني عليّا الطفل حتّى أودّعه.
و قال المفيد: دعى ابنه عبد اللّه فجعل يقبّله و الصبي في حجره إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه، فتلقّى الحسين (عليه السّلام) دمه حتّى امتلأت كفّه. ثمّ رمى به إلى السماء و لم يسقط قطرة إلى الأرض ثمّ نظر الحسين إلى اثنين و سبعين رجلا من أهل بيته صرعى، فنادى: يا سكينة يا فاطمة يا زينب يا امّ كلثوم عليكنّ منّي السلام، فنادته سكينة: يا أبه استسلمت للموت.
قال: كيف لا يستسلم من لا ناصر له و لا معين فقالت: يا أبه ردّنا إلى حرم جدّنا فقال:
هيهات لو ترك القطا لنام، فتصارخن النساء ثمّ ركب الحسين (عليه السّلام) فرسه و برز إلى القوم و هو يقول، شعر:
خيرة اللّه من الخلق أبي* * * ثمّ امّي فأنا ابن الخيرتين