رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٢٠ - الفصل الثالث في مقتله
العطش، و هكذا حتّى خرجت روحه و لمّا رأى الحسين (عليه السّلام) نزول العساكر مع ابن سعد أرسل إليه: أريد أن ألقاك فاجتمعا و تناجيا طويلا ثمّ رجع ابن سعد إلى مكانه و كتب إلى ابن زياد:
هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى أو إلى أحد الثغور، فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم و عليه ما عليهم، فلمّا قرأ الكتاب قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه فقام إليه شمر فقال: لئن رحل الحسين من بلادك ليكوننّ قويّا و أنت ضعيفا فلا تعطه هذه المنزلة ولكن ينزل على حكمك، فقال ابن زياد: نعم ما رأيت فكتب إلى ابن سعد: لم أبعثك إلى الحسين لتمنّيه السلامة و لا لتكون له عندي شفيعا انظر إن نزل حسين على حكمي فابعث به إليّ سالما و إن أبى فاقتله و أصحابه و مثّل بهم، فإن قتلت حسينا فاوطء الخيل صدره و ظهره فإنّه عات ظلوم فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، و إن أبيت فاعتزل و خل بين شمر و بين العسكر.
فأقبل شمر بكتاب ابن زياد إلى ابن سعد، فلمّا قرأ الكتاب قال: لا قرّب اللّه دارك و اللّه إنّي لأظنّك نهيته عمّا كتبت به إليه و اللّه لا يبايع حسين؛ إنّ نفس أبيه بين جنبيه، فقال له الشمر: إن لم تمض لأمر أميرك، و إلّا فخلّ بيني و بين الجند.
قال: لا و كرامة لك ولكن أنا أتولّى ذلك و دونك فكن على الرّجالة، و جاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين فقال: أين بنو أختنا، فخرج إليه جعفر و العبّاس و عثمان بنو عليّ فقال لهم: أنتم يا بني أختي آمنون فقالوا له: لعنك اللّه و لعن إمامك أتؤمننا و ابن رسول اللّه لا أمان له.
ثمّ نادى ابن سعد: يا خيل اللّه اركبي، فرجف الناس إليهم بعد العصر و الحسين (عليه السّلام) جالس أمام بيته مختبئ بسيفه فخفق برأسه على ركبتيه و سمعت اخته الصيحة فدنت من أخيها و قالت: يا أخي ما تسمع هذه الأصوات؟ فرفع الحسين (عليه السّلام) رأسه فقال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الساعة في المنام و و يقول: إنّك تروح إلينا غدا فلطمت وجهها و نادت بالويل، فقال الحسين (عليه السّلام) للعبّاس: امض إليهم و أخّرهم إلى غد لعلّنا نصلّي لربّنا هذه الليلة و ندعوه و نستغفره، فمضى إليهم و أجّلوه إلى غد فجمع أصحابه عند السماء فقال لهم: إنّي أذنت لكم فانطلقوا في حلّ هذا الليل قد غشيكم فقالوا: نفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرانا اللّه ذلك أبدا،