رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢١٩ - الفصل الثالث في مقتله
و طلعت عليهم هوادي الخيل و جاء القوم زهاء ألف فارس مع الحرّ حتّى وقفوا مقابل الحسين (عليه السّلام) في حرّ الظهيرة، فقال الحسين (عليه السّلام) لأصحابه: اسقوا القوم و اسقوا خيولهم من الماء ففعلوا، و كان ابن زياد بعثه يستقبل الحسين فلم يزل الحرّ موافقا للحسين و قال: إنّ ابن زياد لم يأمرني بقتالك ولكن أمرني أن أدخلك الكوفة فلم يقبل (عليه السّلام) و أخذا طريقا وسطا حتّى وصلا إلى نينوى إلى الحرّ إذا أتاك كتابي فجعجع بالحسين و أصحابه و لا تنزله إلّا بالعراء في غير خضرة و لا ماء، و كان ذلك اليوم يوم الخميس و هو الثاني من المحرّم سنة إحدى و ستّين فقام الحسين (عليه السّلام) خطيبا في أصحابه و قال: إنّه قد نزل من الأمر ما ترون و أنّ الدّنيا تغيّرت و تنكّرت و أدبر معروفها، و إنّي لا أرى الموت إلّا سعادة.
فقام زهير بن القين و قال: يابن رسول اللّه لو كانت الدّنيا لنا باقية لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها و تكلّم أصحابه (عليه السّلام) مثل كلام زهير فساروا مع الحرّ حتّى نزلوا كربلاء في اليوم الثامن من المحرّم و قال: هذه أرض كرب و بلاء، فبكى ساعة و قال: اللّهمّ إنّا عترة نبيّك و قد أخرجنا و طردنا و ازعجنا عن حرم جدّنا و تعدّت بنو اميّه علينا، ثمّ قال: هذه الأرض مناخ ركابنا و محطّ رحالنا و مقتل رجالنا و سفك دمائنا.
و كتب الحرّ إلى ابن زياد: إنّ الحسين نزل كربلاء، فأرسل عمر بن سعد في أربعة آلاف فارس فنزل نينوى و أرسل إلى الحسين (عليه السّلام): ما الذي أتى بك؟
فقال: كتبكم، فإذا كرهتموني فأنا أنصرف عنكم، ثمّ إنّ ابن زياد أرسل إليه الخيل و الرجال حتّى تكاملت عنده ثلاثون ألفا فنزلوا على شاطئ الفرات و حالوا بينه و أصحابه و بين الماء و أضرّ العطش بأصحاب الحسين، فأخذ (عليه السّلام) فأسا و حفر فنبعت عين من الماء فشربوا بأجمعهم و غارت العين و بلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى ابن سعد: أن امنعهم حفر الآبار و لا تدعهم يذوقوا الماء. فبعث عمرو بن الحجّاج في خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة و حالوا بين الحسين و بين الماء و ذلك قبل قتل الحسين (عليه السّلام) بثلاثة أيّام و نادى ابن حصين: يا حسين ألا تنظرون إلى الماء كأنّه كبد السماء و اللّه لا تذوقون منه قطرة حتّى تموتوا عطشا، فقال الحسين (عليه السّلام): اللّهم اقتله عطشا.
قال حميد بن مسلم: و اللّه لقد رأيته بعد ذلك يشرب الماء ثمّ يقيئه و يصيح العطش