رسائل الميرزا القمي - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٢١١ - المقدّمة الثالثة في جواز بعض الحيل المقتضية لجلب النفع و حليّته
جهة معاملة أخرى و لا حيلة، و المقرض أيضا لا محالة تلزمه الإعانة، فيتردّد الأمر بين القرض الحسن و القرض الربوي، فحرمة الربا توجب اختيار القرض الحسن، و حليّته توجب تركه.
و لكن هذا إخراج للروايات عن ظاهرها، فإنّ ظاهرها تعليل حرمة ماهيّة الربا بذلك، لا فرد خاصّ منه، مع أنّ الظاهر من الأخبار المعلّلة حينئذ أنّ المنع من الربا يرجع إلى القيد، فكأنّه قيل: إذا أقرضتم فلا تعطوا مع طلب الزيادة، بل اعطوها مثلا بمثل، و هذا ليس المعنى الحقيقي للتعليل، بل معناه حينئذ، أنّ المراد من تحريم الربا الترغيب إلى القرض الحسن، يعني لا تفعلوا هذا و افعلوا ذلك، لا تفعلوا هذا لأجل أن تفعلوا ذاك.
سلّمنا أنّ المراد أن الربا لمّا كان قد يوجب الوقوع في ترك المعروف فهو حرام، كذلك كلّ معاملة قد توجب ذلك، لكن النسبة بين هذه العلّة و بين ما دلّ على حلّيّة مطلق القرض و البيع عموم من وجه، و الأصل، و نفي العسر و الحرج، و الشهرة في الحيل المجوّزة يرجّح الجواز.
و الأولى أن يقال في توجيه تلك الأخبار: إنّ هذه العلّة من باب الداعي و المعرّف، و لا يجب أن تطّرد، بل هي لبيان الحكمة الداعية على تشريع الحكم و إحداثه، و إن كان اطّراده بعد ذلك من جهة حماية الحمى، كزوال أرياح الآباط في غسل الجمعة، و عدم اختلاط المياه في العدّة، فليس ذلك من باب المنصوص العلّة حتّى يتعدّى عنه إلى ما وجدت فيه العلّة.
و من جملة ما ذكر، ما رواه الصدوق عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنّه قال: «أيّها الناس؛ الفقه ثمّ المتجر» ثلاثا، ثمّ قال: «فإنّ للربا في هذه الأمّة دبيبا أخفى من دبيب النملة» [١].
[١]. الفقيه ٣: ١٢١، ح ٥١٩؛ وسائل الشيعة ١٢: ٢٨٢، أبواب آداب التجارة، ب ١، ح ١.