تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٣٥١ - مناقشته
نعم، حيث إن الإباحة هنا منبعثة عن مصلحة موجبة لها لا عن عدم المصلحة و المفسدة في الفعل، و إلّا لم يعقل مزاحمة بين اللّااقتضاء و المقتضي، فلذا ينحصر وجه المنافاة في الجهة الأولى، فلو أمكن انفكاك الإرادة عن البعث الفعلي لم يكن الإباحة هنا منافية للإرادة أو الكراهة الواقعيّة بوجه لا ذاتاً و لا عرضاً، بمعنى أنه لو لم يكن هناك تكليف فعلي من جميع الجهات و المفروض أنه المنافي للإباحة، فلا منافاة للإباحة مع الإرادة حتى لا تنقدح بسببها، فتدبّر جيّداً [١].
مناقشته
و يرد الإشكال عليه فيما ذكره من كون حجيّة الظواهر و خبر الثقة منتزعة من بناء العقلاء، و ذلك:
أوّلًا: إنه يستحيل أنْ يكون نفس بناء العقلاء علّةً لحجيّة الظاهر و خبر الثقة، بل إنّ العقلاء يستكشفون مراد المتكلّم من ظاهر كلامه، و يرون ما أخبر به المخبر محقّقاً في الخارج فيعتمدون عليه و يرتبُون الأثر، لا أنّ الحجيّة تنتزع من بنائهم العملي على اتّباع الظاهر و خبر الثقة، إذ ليس في بناء العقلاء تعبّد كما هو الحال بين الموالي و العبيد.
و ثانياً: إن بناء العقلاء على العمل، إمّا هو الإسناد أو الاستناد، و لا يعقل فيه الإهمال، فإمّا هو بشرط لا عن الحجيّة أو لا بشرط بالنسبة إليها أو بشرطها، أمّا الإسناد و الاستناد بشرط عدم الحجيّة، فباطل بالضّرورة، و كذا اللّابشرط، فلا محالة ينحصران بصورة الحجيّة، وعليه، فلا بدّ و أنْ تكون الحجيّة متقدّمة على
[١] نهاية الدراية ٣/ ١٤٨.