تحقيق الأصول - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ١٥٨ - الإشكال عليه
إنّ السيرة العقلائيّة قائمة على الأخذ بالاستصحاب، لكن لا من جهة إلقاء الشك بقاءً، كما كان في الأمارة، بل إنهم يأخذون بالحالة السابقة و يبقونها من باب الاطمينان ببقائها أو برجائها أو من باب الاحتياط، فليس عملهم على طبق الحالة السّابقة استصحاباً لليقين السّابق، فأخذهم بمقتضى الاستصحاب يختلف عن أخذهم بمفاد خبر الثقة.
و أمّا الأدلّة اللّفظية في الاستصحاب التي هي أدلّة اعتباره، فلا دلالة لها على إلغاء الشك أصلًا، فهي لا تدلُّ إلّا على وجوب العمل بالحالة السّابقة، ففي الصحيحة الاولى لزرارة- و هي أظهر الأدلّة-: «فإنّه على يقينٍ من وضوئه» [١] و هو غير ظاهر في كونه على يقين فعلًا، بل الظاهر منه كونه على يقينٍ من وضوئه، و يشهد بذلك قوله بعده: «فليس ينبغي أن ينقض اليقين بالشك». فيكون المعنى:
لا تنقض اليقين السابق بالشك اللّاحق في العمل، فلا دلالة للرواية على: إنك الآن على يقين ... و لا أقلّ من الشك، فتكون مجملةً.
و في الصحيحة الثانية: «لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت، و ليس ينبغي ...» [٢]، فإن ظاهرها: أنّ اليقين الحاصل بشيء حدوثاً لا ينقض فيما بعد عملًا، و ليس المراد منها: أنت الآن على يقينٍ تعبّداً.
و كذا قوله (عليه السلام): «من كان على يقين فشكَّ، فليمض على يقينه» أي:
عملًا.
فظهر: أنه لا دليل- لا من السّيرة و لا من الأدلّة اللّفظيّة- على إلغاء الشكّ في
[١] وسائل الشيعة ١/ ١٧٤، الباب ١ من أبواب نواقض الوضوء، رقم: ١.
[٢] وسائل الشيعة ٣/ ٤٦٦، الباب ٣٧ من أبواب النجاسات، رقم: ١.