تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ١٥١ - حالة النجف
استيلائهم عليها و طردهم للعمّال العثمانيين و استقلالهم بالبلد، فأحسسنا بوحشة إنزال العلم الذي ألفناه متموّجا على رؤوسنا منذ قرون على ما فيه من العلاّت.
و أصبحت حكومة النجف أعرابية سوادية من ذلك الحين، و استبدّ كلّ مترأس بالحيّ الذي يليه و التفّ حوله آله و عصابته و أحلافه من هذه الغثراء. و أوجبت قضيّة ردّ الفعل، و هي ناموس من أهم نواميس الحياة، نزوح أولئك الهمج الهامج الذين لفظهم البلد بداعي نبوّ طباعهم عن قبول الأوضاع الجديدة. نزحوا إلينا حاملين بين جنوبهم عجرفيّة نصف قرن أمعنوه في مثل المحاجير، و التاجيّة، و الجعارة، و الخرم (غمّاس) و غير ذلك من سقي الفرات حيث الجهل و الفظاظة راسخا الأقدام ثابتا الدعام، و حيث غلظ الحس و جفاء الطبع على أشدّهما هناك، فتاهوا و ازدهوا بغدرهم هذا العظيم، و شنفوا الناس بأبصارهم و تطاولوا على ذوي القدم و القدم في البلدة، و مدّوا أيديهم إلى كثير من العقار يدّعونه، و تولّوا أعمال البلدة فلم يزيدوها إلاّ خبالا و وبالا، إذ لم يرجعوا في حكومتهم إلى قانون وازع، أو شرع رادع، و لم يقيدهم عهد أو ميثاق، رئيسهم غير مطاع، و مرؤوسهم غير مطواع، فكلّهم راع و كلّهم غير مسؤول عن رعيّته.
و قد أهملت المصالح العامة مثل مصلحة التنوير، و التنظيف، و إصلاح المياه، و مصلحة الصحة، و تكالب القوم على الإسفاف إلى دنايا الشؤون، و قد تشبّه بهم كثيرون من المقيمين في البلدة، و انتشر زي الأعراب، و تكاثف السواد حتى لا ينفذ فيه بصر أقوى الناس بصرا و أحدّهم نظرا، و كثر نقلة السلاح صغارا و كبارا حتى أربوا على ٨٠٠ مسلّحا بأحدث طراز من الناريّات، فلذلك ما انفكّ صفير الرصاص مالئا عنان السماء و ما زال و غى هذه الإمارة الجديدة و وغرها و جلبتها يصمّان الآذان في كلّ آن. هذه حالنا اليوم و اللّه أعلم بمصاير الأمور. [١]
[١] مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي.