تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٢٤٣ - تسليم كاظم صبّي
مقر الحكومة (السراي) قبيل طلوع الشمس. و بهذه الصورة سلّم كاظم نفسه على حين لم يشعر به أحد من الناس، و كأنّه أنف أن يقبض عليه رجال الموادعة فيتبجّحوا عند الإنگليز بقبضه رغبة بالحصول على الجائزة.
و الرواية الثانية لتسليم كاظم صبّي الخالدي، هو أنّه خرج من مخبئه و الليل حالك، و السكون سائد على حالته الأولى و هو في طرازه الأول، فما غيّر بزّته، و لا اعتزل بندقيّته، فقصد القهوة التي تجاه الباب الكبير، فجلس على مقعد من مقاعدها ينتظر الصباح. فلمّا انكشف الوقت و فتح الباب دنا من السلك الشائك و استأذن الحارس بالخروج إلى مقابلة بلفور فلم يأذن له، فاضطر عند ذلك إلى التنازل، فأرسل على الحاج عبد المحسن شلاش و صحبه حتى سلّم نفسه. و قد لاقى شيئا كثيرا من الإحترام، فقدّم له بلفور ترويقة الصباح و أكل من الكعك الإنگليزي و شرب كوبا من الحليب، ثمّ أركب في مركبة خاصة (أتومبيل) و دفع إلى جسر الكوفة.
و في ضحوة هذا اليوم قبض المسالمون على السيّد جعفر الصايغ، أحد أركان الحلف و العهد، و هو الذي-على ما يقال-جعل داره مركز المذاكرات للثوّار السرّية قبل المحادثة الأخيرة بزمان، و كانوا فيها يقرّرون التقريرات و يبيّتون الآراء.
و فيه قبض على حسّون ابن عم كاظم صبّي.
و في مساء ذلك اليوم في الساعة التاسعة-غروبية-قبض الموادعون على الشابّين مغيض و أحمد شبلي الحاج سعد. و قبضوا أيضا على الشاب حامض ابن أخ كاظم صبّي، و كان للقبض على هؤلاء الثلاثة رنّة في البلد و عويل من الرجال و النساء أصمّ الآذان و حيّر الأذهان، و قد ظهرت الكآبة على وجوه النجفيين أشياع الإنگليز، و كان يسمع نشيج بكائهم من بعيد، و يرى تساقط الدموع على خدودهم، فابتلّت منها المناديل و اخضلّت الأردان. [١]
[١] مجلّة الثقافة الجديدة: العدد ٤، السنة ١٩٦٩ م، ص ٣٢٥.