تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٢٤٥ - تسليم عباس علي الرماحي
بالشجاعة و الفتك، فتهاونوا عن إمساكه و ظنّوا أنّ الإنگليز لا يلحفون بالسؤال عنه، و لا يشدّدون على تعقّبه، حتى إذا سنحت الفرصة و خفّت و طأة الحصر على البلد و التطويق يجد له مهربا فينجو من أشراك الإنگليز و يلتحق بأبيه، ولكن خاب فالهم و انكسرت آمالهم، فإنّ بلفور ألحّ و ألحف بالقبض عليه، و طلبه طلبا شديدا من المسالمين، فاضطر هؤلاء إلى إخراجه و تسليمه. فأرسل إليه السيّد مهدي من خاطبه بالرفق و هوّن عليه الأمر و برهن له على سلامته من الشنق و الإعدام، فأذعن الشاب و خضع للتسليم، فخرج من مكمنه كما يخرج الليث من عرينه و قد تردّى أفخر ثيابه، و حفّت به عصابة من النجفيين هو في طليعتهم ثابت الجأش نشيط القلب باسم الثغر، يلاقي الجماهير بوجه هش بش، كأنّه لم يدفع إلى أسر الإنگليز حيث الموت أو التبعيد، و إنّما يخاله الناظرون متّجها إلى محفل سرور و أنس. هكذا ظهر للناس ذلك الشاب الذي لم يناهز العشرين من عمره، غير هيّاب و لا و جل، و أظهر من عدم المبالات ما لم يكن ينتظر منه على صغر سنّه. و قد رقّ لمنظره الجميل كثيرون، و بكى كلّ من رآه، فعلا الضجيج و ارتفعت الأصوات، فأنّى انتبهت و إلى جهة توجّهت ذاك، قد أصيب كلّ بيت فيها بمصاب لا تسمع غير صراخ و قر الأسماع.
و كثر الإلتياع، فالمدينة من أقصاها إلى أقصاها في حزن عظيم. فأطلّ جماعات من الإنگليز و قد أدهشهم ذلك المرأى و الناس أكداس و أفواج، و ظلّوا يطيلون النظر إلى طلعة ذلك الصبي الجميل، حتى إذا أشرف على الباب تفرّق عنه جمهور المودّعين و زمرة الموادعين، فدخل وحده، و أحاط به ثلّة من الحرس عدوا و إيّاه إلى سراي مرشال. و كان بلفور هناك ينتظره، فمكث في السراي برهة من الوقت، ثمّ أحضرت له مركبة من مركبات الإنگليز أركب فيها و غاب عن العيون التي بكته رحمة بشبابه الزاهر و جماله الباهر.