تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ١٤٩ - حالة النجف
فكبر ذلك على عامة أهل المدن العراقية، و آثر كثيرون من سكّانها الهجرة إلى البادية، و غادر بعضهم المملكة العثمانية إلى العجم، لأنّ أهل البادية مستثنون من الجندية في العراق. فهاجر فريق من أهل النجف إذ ذاك إلى سواد الفرات القريب منهم، و فيه القرى و البليدات الدنيا، فاشتغلوا في الفلاحة و غيرها.
ثمّ تدرّجت وطأة التجنيد و الإحصاء في الاشتداد، فرافقها مهاجرة السواد إلى عهد غير بعيد حتى أعلن الإنقلاب العثماني سنة ١٣٢٦ هـ و تغيّرت جملة من الأوضاع القديمة، فضعفت الدهماء عن مجاراة الأوضاع الحديثة، فكانت البلاد تلفظ منهم أحيانا من لا يصابرون محدثات الأمور، و شعرنا بقلّة السواد، و مال المتوطّنون إلى التجمّل في اللباس، و ترك كثيرون الإعتمار بالكوافي و العقل و هي زي البدو و الأعراب، و عدلوا في عمرتهم و لباسهم إلى ما يشبه الزي الشامي و الخراساني، و هو فرع الزي العربي القديم، و حلّت الموادعة إجمالا محلّ الخشونة و النزق، و قام الهدوء و السكينة مقام العجيج و الضجيج، و أدركنا تبديد السواد كما يتبدّد ظلام الليل الأليل أمام قرن الغزال، و حلمنا جريا مع النشوء و الإرتقاء بمستقبل جميل لا سيما بعد أن أنشئت عدّة مدارس حديثة، و غرف قراءة، و جلبت مطبعتان سوى ذلك من أسباب الحضارة الحديثة.
على أنّ الناقمين من الجامدين ما زالوا يبسطون ألسنتهم في التجدّد و دعاته، و كثيرا ما ثار ثائرهم كما فعلوا في شعبان سنة ١٣٣٢ هـ، إذ هجم العامة و النساء على دار الحكومة زاعمين أنّها منعت ذكر الحسين عليه السّلام، بإغراء بعض الجهّال حتى التجأ رجال الدرك إلى إطلاق النار على المتجمهرين. و بينا نحن كذلك نتهادى بين أشباح الأماني و الآمال إذ بإعلان النفير العام في الثاني عشر من شهر رمضان سنة ١٣٣٢ هـ-١٩١٣ م فاجترف سيله ألوفا من سواد النجف المدلهم دفع أكثرهم إلى ثغر البصرة و قليل منهم