تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٨٥ - ذكر احوال اهل السواد
استكره و حشر فهرب و لم يقاتل، او استسلم، فانا بأرض رغيبه، و الارض خلاء من أهلها، و عددنا قليل، و قد كثر اهل صلحنا، و ان اعمر لنا و اوهن لعدونا تالفهم فقام عمر في الناس فقال: انه من يعمل بالهوى و المعصية يسقط حظه و لا يضر الا نفسه، و من يتبع السنه و ينته الى الشرائع، و يلزم السبيل النهج ابتغاء ما عند الله لأهل الطاعة، أصاب امره، و ظفر بحظه، و ذلك بان الله عز و جل يقول: «وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً»، و قد ظفر اهل الأيام و القوادس بما يليهم، و جلا اهله، و أتاهم من اقام على عهدهم، فما رأيكم فيمن زعم انه استكره و حشر، و فيمن لم يدع ذلك و لم يقم وجلا، و فيمن اقام و لم يدع شيئا، و لم يجل، و فيمن استسلم فاجمعوا على ان الوفاء لمن اقام و كف لم يزده غلبه الا خيرا، و ان من ادعى فصدق او و في فبمنزلتهم، و ان كذب نبذ اليهم و أعادوا صلحهم، و ان يجعل امر من جلا اليهم، فان شاءوا و ادعوهم و كانوا لهم ذمه، و ان شاءوا تموا على منعهم من ارضهم و لم يعطوهم الا القتال، و ان يخيروا من اقام و استسلم: الجزاء، او الجلاء، و كذلك الفلاح.
و كتب جواب كتاب انس بن الحليس: اما بعد، فان الله جل و علا انزل في كل شيء رخصه في بعض الحالات الا في امرين: العدل في السيرة و الذكر، فاما الذكر فلا رخصه فيه في حاله، و لم يرض منه الا بالكثير، و اما العدل فلا رخصه فيه في قريب و لا بعيد، و لا في شده و لا رخاء، و العدل- و ان رئى لينا- فهو اقوى و أطفأ للجور، و اقمع للباطل من الجور، و ان رئى شديدا فهو انكش للكفر، فمن تم على عهده من اهل السواد، و لم يعن عليكم بشيء، فلهم الذمة، و عليهم الجزية، و اما من ادعى انه استكره ممن لم يخالفهم إليكم او يذهب في الارض، فلا تصدقوهم بما ادعوا من ذلك الا ان تشاءوا، و ان لم تشاءوا فانبذوا اليهم، و ابلغوهم مأمنهم