تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٢٧ - ذكر ابتداء امر القادسية
فضاق عليه الجحر، و لم يطق الخروج، فشكا القلق الى اصحابه، و سألهم المخرج، فقلن له: ما أنت بخارج منها حتى تعود كما كنت قبل ان تدخل، فكف و جوع نفسه، و بقي في الخوف، حتى إذا عاد كما كان قبل ان يدخلها اتى عليه صاحب الجره فقتله فاخرجوا و لا يكونن هذا لكم مثلا.
كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن ابيه، قال: و قال: لم يخلق الله خلقا اولع من ذباب و لا أضر، ما خلاكم يا معشر العرب، ترون الهلاك و يدليكم فيه الطمع، و ساضرب لكم مثلكم: ان الذباب إذا راى العسل طار، و قال: من يوصلني اليه و له درهمان حتى يدخله؟ لا ينهنهه احد الا عصاه، فإذا دخله غرق و نشب و قال: من يخرجني و له اربعه دراهم؟ و قال أيضا: انما مثلكم مثل ثعلب دخل جحرا و هو مهزول ضعيف الى كرم، فكان فيه يأكل ما شاء الله، فرآه صاحب الكرم، و راى ما به، فرحمه، فلما طال مكثه في الكرم و سمن، و صلحت حاله، و ذهب ما كان به من الهزال اشر، فجعل يعبث بالكرم و يفسد اكثر مما يأكل، فاشتد على صاحب الكرم، فقال: لا اصبر على هذا من امر هذا، فاخذ له خشبة و استعان عليه غلمانه، فطلبوه و جعل يراوغهم في الكرم، فلما راى انهم غير مقلعين عنه، ذهب ليخرج من الجحر الذى دخل منه، فنشب اتسع عليه و هو مهزول، و ضاق عليه و هو سمين، فجاءه و هو على تلك الحال صاحب الكرم، فلم يزل يضربه حتى قتله، و قد جئتم و أنتم مهازيل، و قد سمنتم شيئا من سمن، فانظروا كيف تخرجون! و قال أيضا: ان رجلا وضع سلا، و جعل طعامه فيه، فاتى الجرذان، فخرقوا سله، فدخلوا فيه فاراد سده، فقيل له:
لا تفعل، إذا يخرقنه، و لكن انقب بحياله، ثم اجعل فيها قصبه مجوفه، فإذا جاءت الجرذان دخلن من القصبة و خرجن منها، فكلما طلع عليكم جرذ قتلتموه و قد سددت عليكم، فإياكم ان تقتحموا القصبة، فلا يخرج منها احد الا قتل، و ما دعاكم الى ما صنعتم، و لا ارى عددا و لا عده!