تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٠٤ - ذكر ابتداء امر القادسية
فلما اصبحت تجلت الطير، فابصرته يرقبها، فان شذ منها شيء اختطفه، فلما ابصرته الطير لم تنهض من مخافته، و جعلت كلما شذ منها طائر اختطفه، فلو نهضت نهضه واحده ردته، و أشد شيء يكون في ذلك ان تنجو كلها الا واحدا، و ان اختلفت لم تنهض فرقه الا هلكت، فهذا مثلهم و مثل الأعاجم، فاعمل على قدر ذلك فقال له رستم: ايها الملك، دعني، فان العرب لا تزال تهاب العجم ما لم تضرهم بي، و لعل الدولة ان تثبت بي فيكون الله قد كفى، و نكون قد أصبنا المكيدة و راى الحرب، فان الرأي فيها و المكيدة انفع من بعض الظفر فأبى عليه، و قال: اى شيء بقي! فقال رستم: ان الاناه في الحرب خير من العجله، و للاناه اليوم موضع، و قتال جيش بعد جيش امثل من هزيمه بمره و أشد على عدونا فلج و ابى، فخرج حتى ضرب عسكره بساباط، و جعلت تختلف الى الملك الرسل ليرى موضعا لاعفائه و بعثه غيره، و يجتمع اليه الناس و جاء العيون الى سعد بذلك من قبل الحيرة و بنى صلوبا، و كتب الى عمر بذلك و لما كثرت الاستغاثة على يزدجرد من اهل السواد على يدي الازاذمرد بن الازاذبه جشعت نفسه، و اتقى الحرب برستم، و ترك الرأي- و كان ضيقا لجوجا- فاستحث رستم، فاعاد عليه رستم القول، و قال: ايها الملك، لقد اضطرني تضييع الرأي الى اعظام نفسي و تزكيتها، و لو أجد من ذلك بدا لم اتكلم به، فأنشدك الله في نفسك و اهلك و ملكك، دعني أقم بعسكرى و اسرح الجالنوس، فان تكن لنا فذلك، و الا فانا على رجل و ابعث غيره، حتى إذا لم نجد بدا و لا حيله صبرنا لهم، و قد وهناهم و حسرناهم و نحن جامون فأبى الا ان يسير.
كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرى الضبي، عن ابن الرفيل، عن ابيه، قال: لما نزل رستم بساباط، و جمع آله الحرب و أداتها بعث على مقدمته الجالنوس في اربعين ألفا، و قال:
ازحف زحفا، و لا تنجذب الا بأمري، و استعمل على ميمنته الهرمزان، و على ميسرته مهران بن بهرام الرازى، و على ساقته البيرزان، و قال رستم