تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥١٣ - ذكر ابتداء امر القادسية
آخر، حتى رأوا مسالحهم و سرحهم على الطفوف قد ملئوها، فقال بعضهم: ارجعوا الى اميركم فانه سرحكم، و هو يرى ان القوم بالنجف، فاخبروه الخبر، و قال بعضهم: ارجعوا لا ينذر بكم عدوكم! فقال عمرو لأصحابه: صدقتم، و قال طليحة لأصحابه: كذبتم، ما بعثتم لتخبروا عن السرح، و ما بعثتم الا للخبر قالوا: فما تريد؟ قال: اريد ان اخاطر القوم او اهلك، فقالوا: أنت رجل في نفسك غدر، و لن تفلح بعد قتل عكاشة ابن محصن، فارجع بنا، فأبى و اتى سعدا الخبر برحيلهم، فبعث قيس بن هبيرة الأسدي، و امره على مائه، و عليهم ان هو لقيهم فانتهى اليهم و قد افترقوا، فلما رآه عمرو قال: تجلدوا له، اروه انهم يريدون الغارة، فردهم، و وجد طليحة قد فارقهم فرجع بهم فاتوا سعدا، فاخبروه بقرب القوم، و مضى طليحة، و عارض المياه على الطفوف، حتى دخل عسكر رستم، و بات فيه يجوسه و ينظر و يتوسم، فلما ادبر الليل، خرج و قد اتى افضل من توسم في ناحيه العسكر، فإذا فرس له لم ير في خيل القوم مثله، و فسطاط ابيض لم ير مثله، فانتضى سيفه، فقطع مقود الفرس، ثم ضمه الى مقود فرسه، ثم حرك فرسه، فخرج يعدو به، و نذر به الناس و الرجل، فتنادوا و ركبوا الصعبه و الذلول، و عجل بعضهم ان يسرج، فخرجوا في طلبه، فاصبح و قد لحقه فارس من الجند، فلما غشيه و بوا له الرمح ليطعنه عدل طليحة فرسه، فندر الفارسي بين يديه، فكر عليه طليحة، فقصم ظهره بالرمح، ثم لحق به آخر، ففعل به مثل ذلك، ثم لحق به آخر، و قد راى مصرع صاحبيه- و هما ابنا عمه- فازداد حنقا، فلما لحق بطليحه، و بوا له الرمح، عدل طليحة فرسه، فندر الفارسي امامه، و كر عليه طليحة، و دعاه الى الاسار، فعرف الفارسي انه قاتله فاستاسر، و امره طليحة ان يركض بين يديه، ففعل و لحق الناس فرأوا فارسي الجند قد قتلا و قد اسر الثالث، و قد شارف طليحة عسكرهم،