تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤١٦ - ذكر وقعة أجنادين
فإنها المهالك الا ما دفع الله، ابغنى عشرين جزورا عظاما سمانا مسان.
فأتاه بهن خالد، فعمد اليهن رافع فظماهن، حتى إذا اجهدهن عطشا اوردهن فشربن حتى إذا تملان عمد اليهن، فقطع مشافرهن، ثم كعمهن لئلا يجتررن، ثم اخلى ادبارهن.
ثم قال لخالد: سر، فسار خالد معه مغذا بالخيول و الاثقال، فكلما نزل منزلا افتظ أربعا من تلك الشوارف، فاخذ ما في اكراشها، فسقاه الخيل، ثم شرب الناس مما حملوا معهم من الماء، فلما خشي خالد على اصحابه في آخر يوم من المفازة قال لرافع بن عميرة و هو ارمد: ويحك يا رافع! ما عندك؟ قال أدركت الري ان شاء الله، فلما دنا من العلمين، قال للناس: انظروا هل ترون شجيره من عوسج كقعده الرجل؟ قالوا: ما نراها.
قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! هلكتم و الله إذا و هلكت، لا ابالكم! انظروا، فطلبوا فوجدوها قد قطعت و بقيت منها بقية، فلما رآها المسلمون كبروا و كبر رافع بن عميرة، ثم قال: احفروا في أصلها، فحفروا فاستخرجوا عينا، فشربوا حتى روى الناس، فاتصلت بعد ذلك لخالد المنازل، فقال رافع:
و الله ما وردت هذا الماء قط الا مره واحده، وردته مع ابى و انا غلام، فقال شاعر من المسلمين:
لله عينا رافع انى اهتدى* * * فوز من قراقر الى سوى!
خمسا إذا ما سارها الجيش بكى* * * ما سارها قبلك انسى يرى
فلما انتهى خالد الى سوى، اغار على اهله- و هم بهراء- قبيل الصبح، و ناس منهم يشربون خمرا لهم في جفنه قد اجتمعوا عليها، و مغنيهم يقول:
ا لا عللانى قبل جيش ابى بكر* * * لعل منايانا قريب و ما ندري