تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٢١ - ذكر ابتداء امر القادسية
لا تنظروا الى الثياب، و لكن انظروا الى الرأي و الكلام و السيرة، ان العرب تستخف باللباس و المأكل و يصونون الاحساب، ليسوا مثلكم في اللباس، و لا يرون فيه ما ترون و أقبلوا اليه يتناولون سلاحه، و يزهدونه فيه، فقال لهم: هل لكم الى ان تروني فأريكم؟ فاخرج سيفه من خرقه كأنه شعله نار فقال القوم:
اغمده، فغمده، ثم رمى ترسا و رموا حجفته، فخرق ترسهم، و سلمت حجفته، فقال: يا اهل فارس، انكم عظمتم الطعام و اللباس و الشراب، و انا صغرناهن ثم رجع الى ان ينظروا الى الأجل، فلما كان من الغد بعثوا ان ابعث إلينا ذلك الرجل، فبعث اليهم سعد حذيفة بن محصن، فاقبل في نحو من ذلك الزي، حتى إذا كان على ادنى البساط، قيل له:
انزل، قال: ذلك لو جئتكم في حاجتي، فقولوا لملككم: ا له الحاجة أم لي؟
فان قال: لي، فقد كذب، و رجعت و تركتكم، فان قال: له، لم آتكم الا على ما أحب فقال: دعوه، فجاء حتى وقف عليه و رستم على سريره، فقال:
انزل، قال: لا افعل، فلما ابى ساله: ما بالك جئت و لم يجيء صاحبنا بالأمس؟ قال: ان أميرنا يحب ان يعدل بيننا في الشده و الرخاء، فهذه نوبتي قال: ما جاء بكم؟ قال: ان الله عز و جل من علينا بدينه، و أرانا آياته، حتى عرفناه و كنا له منكرين ثم امرنا بدعاء الناس الى واحده من ثلاث، فأيها أجابوا إليها قبلناها: الاسلام و ننصرف عنكم، او الجزاء و يمنعكم ان احتجتم الى ذلك، او المنابذة فقال: او الموادعة الى يوم ما؟ فقال:
نعم، ثلاثا من أمس فلما لم يجد عنده الا ذلك رده و اقبل على اصحابه، فقال: ويحكم! الا ترون الى ما ارى! جاءنا الاول بالأمس فغلبنا على أرضنا، و حقر ما نعظم، و اقام فرسه على زبرجنا و ربطه به، فهو في يمن الطائر، ذهب بأرضنا و ما فيها اليهم، مع فضل عقله و جاءنا هذا اليوم فوقف علينا، فهو في يمن الطائر، يقوم على أرضنا دوننا، حتى اغضبهم و أغضبوه فلما كان من الغد ارسل: ابعثوا إلينا رجلا، فبعثوا اليهم المغيره بن شعبه كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابى عثمان النهدي قال: لما جاء المغيره الى القنطرة فعبرها الى اهل فارس حبسوه و استأذنوا رستم