تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٩٩ - ذكر ابتداء امر القادسية
بذلك ما شاء الله ان يمكث، ثم امر ان ينبذ الى من خالفه من العرب، و بدا بهم و فعل، فدخلوا معه جميعا على وجهين: مكره عليه فاغتبط، و طائع أتاه فازداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذى كنا عليه من العداوة و الضيق، ثم امرنا ان نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم الى الإنصاف، فنحن ندعوكم الى ديننا، و هو دين حسن الحسن و قبح القبيح كله، فان ابيتم فامر من الشر هو اهون من آخر شر منه الجزاء، فان ابيتم فالمناجزة، فان اجبتم الى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، و اقمناكم عليه، على ان تحكموا باحكامه، و نرجع عنكم و شأنكم و بلادكم، و ان اتقيتمونا بالجزاء قبلنا و منعناكم، و الا قاتلناكم.
قال: فتكلم يزدجرد، فقال: انى لا اعلم في الارض أمه كانت أشقى و لا اقل عددا و لا اسوا ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم لا تغزون فارس و لا تطمعون ان تقوموا لهم، فان كان عدد لحق فلا يغرنكم منا، و ان كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا الى خصبكم، و أكرمنا وجوهكم و كسوناكم، و ملكنا عليكم ملكا يرفق بكم.
فاسكت القوم فقام المغيره بن زراره بن النباش الأسيدي، فقال:
ايها الملك، ان هؤلاء رءوس العرب و وجوههم، و هم اشراف يستحيون من الاشراف، و انما يكرم الاشراف الاشراف، و يعظم حقوق الاشراف الاشراف، و يفخم الاشراف الاشراف، و ليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك، و لا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، و قد أحسنوا و لا يحسن بمثلهم الا ذلك، فجاوبني لأكون الذى ابلغك، و يشهدون على ذلك، انك قد وصفتنا صفه لم تكن بها عالما، فاما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان اسوا حالا منا، و اما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا ناكل الخنافس و الجعلان و العقارب و الحيات، فنرى ذلك طعامنا و اما المنازل فإنما هي ظهر الارض و لا نلبس الا ما غزلنا من اوبار الإبل و اشعار الغنم،