تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٢٨ - ذكر ابتداء امر القادسية
كتب الى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد و طلحه باسنادهما و زياد معهما، قالوا: فتكلم القوم فقالوا: اما ما ذكرتم من سوء حالنا فيما مضى، و انتشار امرنا، فلما تبلغ كنهه! يموت الميت منا الى النار، و يبقى الباقى منا في بؤس، فبينا نحن في اسوا ذلك، بعث الله فينا رسولا من أنفسنا الى الانس و الجن، رحمه رحم بها من اراد رحمته، و نقمه ينتقم بها ممن رد كرامته، فبدا بنا قبيله قبيله، فلم يكن احد أشد عليه، و لا أشد إنكارا لما جاء به، و لا اجهد على قتله ورد الذى جاء به من قومه، ثم الذين يلونهم، حتى طابقناه على ذلك كلنا، فنصبنا له جميعا، و هو وحده فرد ليس معه الا الله تعالى، فاعطى الظفر علينا، فدخل بعضنا طوعا، و بعضنا كرها، ثم عرفنا جميعا الحق و الصدق لما أتانا به من الآيات المعجزه، و كان مما أتانا به من عند ربنا جهاد الأدنى فالأدنى، فسرنا بذلك فيما بيننا، نرى ان الذى قال لنا و وعدنا لا يخرم عنه و لا ينقض، حتى اجتمعت العرب على هذا، و كانوا من اختلاف الرأي فيما لا يطيق الخلائق تاليفهم ثم اتيناكم بأمر ربنا، نجاهد في سبيله، و ننفذ لأمره، و ننتجز موعوده، و ندعوكم الى الاسلام و حكمه، فان أجبتمونا تركناكم و رجعنا و خلفنا فيكم كتاب الله، و ان ابيتم لم يحل لنا الا ان نعاطيكم القتال او تفتدوا بالجزى، فان فعلتم و الا فان الله قد أورثنا أرضكم و ابناءكم و أموالكم.
فاقبلوا نصيحتنا، فو الله لاسلامكم أحب إلينا من غنائمكم، و لقتالكم بعد أحب من صلحكم و اما ما ذكرت من رثاثتنا و قلتنا فان اداتنا الطاعة، و قتالنا الصبر و اما ما ضربتم لنا من الأمثال، فإنكم ضربتم للرجال و الأمور الجسام و للجد الهزل، و لكنا سنضرب مثلكم، انما مثلكم مثل رجل غرس أرضا، و اختار لها الشجر و الحب، و اجرى إليها الانهار، و زينها بالقصور، و اقام فيها فلا حين يسكنون قصورها، و يقومون على جناتها، فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحب، و في الجنان بمثل ذلك، فاطال نظرتهم، فلما لم يستحيوا من تلقاء انفسهم، استعتبهم فكابروه، فدعا