تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٢٩ - كود كود
و كِدْت أَفْعَل كذا، أَي هَمَمْتُ، و لغة بني عَدِيٍّ بالضَّمّ، و حكاه سيبويه عن بعضِ العربِ. و في الأَفعال لابن القَطَّاع: كادَ يَكَادُ كَاداً و كَوْداً ، همّ و أَكثرُ العَرَب على كِدْت ، أَي بالكسر، و منهم من يقول كُدْتُ ، أَي بالضمّ، و أَجمعوا على يَكَادُ ، في المستقبل، و نقل شيخنا عن تصريف الميدانيّ أَنه قد جاءَ فيه فَعُلَ أَي بالضم يَفْعَل بالفتح، على لغة من قال كُدْتَ تَكادُ ، بضم الكاف في الماضي قال شيخُنا: و ذكر غيرُه: و قالوا: هو مما شَذَّ في باب فَعُلَ بالضمّ، فإِن مضارعه لا يكون إِلاّ يَفْعُلُ بالضمّ، و قد سبق أَنه شَذَّ، لَبَّ و ما مَعَهُ، و هََذا مما زادوه، كما في شروح اللامِيّة. و قال الزمخشريّ: قد حَوَّلُوا عند اتصال ضميرِ الفَاعِل فَعَل من الواو إِلى فَعُل، و من الياءِ إِلى فَعِل، ثم نقلت الضمّة و الكسرة إِلى الفاءِ، فيقال قُلتْ و قُلْن، و بِعْت و بِعْنَ و لم يحوِّلوا في غير الضمير إِلاَّ ما جاءَ في قول ناسٍ من العرب كِيدَ يَفْعَل و مَا زِيلَ.
قلت: و أَورد هذا البحثَ أَبو جعفرٍ اللّبْلِيّ في بُغْية الآمال، و أَلْمَمنا ببعضه في «التعريف بضروريّ اللغة و التصريف» فراجعه. و في اللسان: كاد : وُضِعتْ لمُقَارَبة الشيْءِ. فُعِلَ أَو لم يُفْعَل مُجَرَّدَةً تُنْبِيءُ عن نَفْيِ الفِعْلِ، و مَقْرُونَةً بالجَحْدِ تُنْبِيءُ عن وقُوعهِ أَي الفعل، و في الإِتقان للسيوطيّ: كادَ فِعْلٌ ناقِصٌ أَتى منه الماضي و المضارع فقط، له اسمٌ مَرفوع و خبرٌ مُضَارع مُجَرَّد من أَنْ، و معناها: قارَبَ، فَنَفْيُهَا نَفْيٌ للمُقَارَبَة، و إِثباتها إِثباتٌ للمُقَارَبة، و اشتهر على أَلسنة كثيرٍ أَن نَفْيَها إِثباتٌ و إِثباتَها نَفْيٌ، فقولك: كاد زيدٌ يَفْعَل، معناه لم يَفْعل، بدليل، وَ إِنْ كََادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [١] . و ما كاد يفعل، معناه فَعَل، بدليل وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ [٢] أَخرجَ ابنُ أَبي حاتمٍ من طريق الضَّحَّاك، عن ابنِ عبَّاس قال: كُلّ شيْءٍ في القرآن كََادَ * و أَكََادُ و يَكََادُ * ، فإِنه لا يَكون أَبداً، و قيل: إِنها تُفيد الدّلالة على وُقوعِ الفِعْل بِعُسُرٍ، و قيل: نَفْيُ الماضي إِثباتٌ، بدليل وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ و نفي المضارع نَفيٌ بدليل لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا [٣] مع أَنه لم يَرَ شيئاً.
و الصحيح الأَوّل، أَنها كغيرها، نَفْيها نَفيٌ و إِثباتُهَا إِثباتٌ، فمعنى كادَ يَفعل: قارَبَ الفِعْل و لمْ يَفْعَل. و ما كادَ يَفْعَل:
ما قَارَب الفِعْل فَضْلاً عنْ أَنْ يَفْعَل، فنَفْيُ الفِعْلِ لازِمٌ مِن نَفْيِ المُقَارَبَة عَقْلاً. و أَما آية فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ [٤] فهو إِخبار عن حالهم في أَوّلِ الأَمر، فإِنهم كانُوا أَوَّلاً بُعدَاءَ مِن ذَبْحِهَا، و إِثبات الفِعْل إِنما فُهِم من دَلِيل آخرَ، و هو قوله تعالى فَذَبَحُوهََا و أَما قوله لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ [٥] مع أَنّه صلى اللّه عليه و سلم لم يَرْكَنْ لاَ قَليلاً و لا كثيراً، فإِنه مَفهومٌ مِن جِهَةِ أَنّ لَوْلاَ الامتناعِيَّةَ تقتضِي ذََلك، انتهى. و في اللسان: و قال أَبو بكر في قولهم: قَدْ كَادَ فُلاَنٌ يَهْلِك: معناه: قد قَارَبَ الهَلاَكَ و لم يَهْلِك، فإِذا قُلتَ ما كَادَ فُلانٌ يَقُوم، فمعناه: قامَ بعد إِبطاءٍ و كذََلك، كاد يَقوم معناه قاربَ القِيَامَ و لم يَقُمْ. قال: و هََذا وَجْهُ الكلام، ثم قال:
و قَد تَكون كاد صِلَةً للكلامِ ، أَجاز ذََلك الأَخْفَشُ و قُطْرُبٌ و أَبو حاتمٍ، و احتجّ قُطربٌ بقولِ زيدِ الخَيْلِ:
سَرِيعٍ إِلى الهَبْجَاءِ شَاكٍ سِلاحُهُ # فَما إِنْ يَكادُ قِرْنُه يَتَنَفَّسُ
معناهُ ما يَتَنَفَّسُ قِرْنُه. و قال حَسَّان:
وَ تَكَادُ تَكْسَلُ أَنْ تَجِيءَ فِرَاشَهَا # فِي لِينِ خَرْعَبَةٍ و حُسْنِ قَوَامِ
معناه و تَكسل، و منه قوله تعالى لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا أَي لمْ يَرَها و لم يقارب ذََلك، و قال بعضُهم: رَآهَا مِن بَعْدِ أَن لم يَكَدْ يَراهَا مِن شِدَّةِ الظُّلْمَة. فاتَّضَح بذلك أَن قولَ شيخِنَا:
كَوْن كاد صِلَةٌ للكلام لا قائلَ به إِلا ما وَرَد عن ضَعَفَةِ المُفسِّرين، تَحَامُلٌ على المُصنِّف و قُصُورٌ لا يَخْفَى. و قال الأَخْفَشُ في قوله تعالى لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا حَمْلٌ على المَعَنى، و ذََلك أَنه لا يراها، و ذلك أَنك إِذا قلت كاد يَفْعَل إِنما تَعِني قَارَب الفِعْل [٦] ، على صِحَّةِ الكَلاَمِ، و هََكذا
قو شرح القاموس، و مقتضاه أن العرب نطقت بيكود مضارع كاد بمعنى قارب، و في شرح القاموس في كيد: أكثر العرب على كدت أي بالكسر و منهم من يقول كُدت أي بالضم، و أجمعوا على يكاد في المستقبل» .
[١] سورة الاسراء الآية ٧٣.
[٢] سورة البقرة الآية ٧١.
[٣] سورة النور الآية ٤٠.
[٤] سورة البقرة الآية ٧١.
[٥] سورة الاسراء الآية ٧٤.
[٦] زيد في التهذيب: و لم يفعل.