الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٤٩ - أضواء على النصّ
و يختلُّ الركنُ الثالثُ فيما إذا كان أحدُ الطرفين مجرىً لاستصحابٍ منجّزٍ للتكليفِ، لا للبراءةِ. و مثاله: أنْ يعلمَ إجمالًا بنجاسةِ أحدِ الإناءينِ غيرَ أنّ أحدَهما كان نجساً في السابقِ و يشكّ في بقاءِ نجاستِه، ففي هذه الحالةِ يكونُ الإناءُ المسبوقُ بالنجاسةِ مجرىً في نفسِه لاستصحابِ النجاسةِ لا لأصالةِ البراءةِ أو أصالةِ الطهارة، فتجري الأُصول المؤمِّنةُ في الإناءِ الآخرِ بدونِ معارض، و تبطُلُ بذلك منجّزيةُ العلمِ الإجماليّ، و يُسمّى ذلك بالانحلال الحُكميِّ تمييزاً له عن الانحلالِ الحقيقيِّ الذي تقدّمَ في حالةِ اختلالِ الركنِ الثاني.
و إنّما يُسمّى بالانحلال الحكميِّ؛ لأنّ العلمَ الإجماليَّ موجودٌ حقيقةً و لكنّه لا حكمَ له عملياً، لأنّ الإناءَ المسبوقَ بالنجاسةِ حكمُه منجّزٌ بالاستصحابِ و الإناءَ الآخرَ لا منجّزيةَ لحكمه لجريانِ الأصلِ المؤمّنِ فيه، فكأنّ العلمَ الإجماليَّ غيرُ موجودٍ. و هذا هو محصّلُ ما يقالُ: من أنّ العلمَ الإجماليَّ إذا كان أحدُ طرفيْهِ مجرىً لأصلٍ مثبتٍ للتكليف، و كان الطرفُ الآخرُ مجرىً لأصلٍ مؤمّنٍ، انحلَّ العلمُ الإجماليُّ.
و مثالٌ آخرُ لاختلال هذا الركن، و هو: أن يكونَ أحدُ طرفَي
العلمِ الإجماليِّ خارجاً عن محلِّ الابتلاءِ. و معنى الخروجِ كذلك: أنْ تكونَ المخالفةُ في هذا الطرفِ ممّا لا تقعُ من المكلّف عادةً؛ لأنّ ظروفَه لا تيسِّرُ له ذلك، و إن كانت لا تعجزُه تعجيزاً حقيقياً. فالمخالفةُ غيرُ مقدورةٍ عرفاً و إن كانت مقدورةً عقلًا، كما لو علمَ