الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٣٤٣ - التعارض بين البراءة و الاستصحاب
لا يعلمون» يفترض أنّ المكلّف مؤمّن من ناحية التكليف و غير ملزم بالاحتياط تجاهه في حال عدم علمه به، و هذا يعني أنّ الشكّ و عدم العلم
قد أُخذ في موضوع دليل البراءة، في حين إنّ لسان دليل الاستصحاب يفترض أنّ المكلّف ليس بشاكّ تعبّداً و يأمره بإبقاء اليقين السابق و عدم نقضه بالشكّ بالرغم من وجوده حقيقة، فيكون هذا الدليل ناظراً إلى موضوع دليل البراءة و نافياً له تعبّداً، و هو معنى الحكومة.
إن قلت: لِمَ لا نفترض العكس، و نقول: إنّ دليل البراءة هو الحاكم على دليل الاستصحاب؟
قلت: هذا غير صحيح؛ لأنّ لسان دليل البراءة لا يثبت عدم علم المكلّف بالتكليف المشكوك ليكون ناظراً إلى ما يثبته دليل الاستصحاب من الحكم ببقاء العلم السابق تعبّداً، و نافياً له، و إنّما لسانه التأمين من ناحية التكليف المشكوك لا غير، إذ قلنا في بداية بحث الأصول العمليّة أنّ البراءة و كذا باقي الأصول لا تبيّن حكماً و إنّما تحدّد الوظيفة العمليّة للشاكّ لا أكثر.
الوجه الثاني: أنّ دليل الاستصحاب أقوى ظهوراً في الشمول لمثل الشكّ في حرمة مقاربة الحائض بعد النقاء من دليل البراءة، و في تفسير أقوائية ظهوره نطرح قرينتين:
الأولى: قوله (ع) في صحيحة زرارة «أبداً»، فإنّ التأبيد بعدم نقض اليقين بالشكّ أقوى دلالة في شمول دليل الاستصحاب لموارد الشكّ كالشكّ في حرمة مقاربة الحائض في المثال من شمول دليل البراءة له.
الثانية: إنّ دليل البراءة عامّ و يثبت أنّ المكلّف مؤمّن من ناحية التكليف المشكوك مطلقاً سواء كان الشكّ مسبوقاً بالعلم أو لا، بينما نجد أنّ الشارع في دليل الاستصحاب قد نزّل بعض الشكّ و هو الشكّ المسبوق بالعلم منزلة اليقين، فيكون الدليل الدالّ على افتراض الشكّ يقيناً أقوى ظهوراً