الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٣٢٩ - ترجيح ما خالف العامّة على ما وافقهم
و لك أن تقول: هل ترجيح أحد الخبرين المتعارضين يختصّ بحالة العرض على أخبار العامّة فقط، أم يشمل فتاوى علمائهم أيضاً، فإنّ المنشأ الذي تستند إليه فتاواهم ليس هو الأخبار دائماً، بل قد يكون المصالح المرسلة أو الاستحسان أو القياس أو سنّة الصحابي و غير ذلك من الأصول المعتمدة عندهم و التي تساهم في تكوين الرأي الفقهي لدى علمائهم، و السؤال: إنّ أمر الإمام (ع) بعرض الخبرين المتعارضين على العامّة هل يختصّ بعرضها على أخبارهم أو على الأعمّ منها و من الآراء؟
و وجه القول باختصاص العرض على الأخبار هو ما ورد في ذيل
الرواية المتقدّمة: «فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامّة ...»، حيث أمر (ع) بالعرض على أخبار العامّة، فيحتاج التعدّي منها إلى آرائهم إلى دليل.
و إجابةً نقول: إنّ الصحيح هو التعدّي من الموافقة و المخالفة لأخبار العامّة إلى الموافقة و المخالفة لآرائهم و فتاوى علمائهم؛ لأنّ الإمام (ع) في الرواية المتقدّمة و غيرها من الروايات التي تضمّنت الأخذ بما خالف العامّة و طرح ما وافقهم لم يكن أمره فيها أمراً و حكماً تعبّدياً صرفاً، بل هو أمر و حكم مبتنٍ على نكتة و هي لحاظ ما اكتنف الأئمّة من ظروف التقيّة التي كانت تحكم عصرهم جرّاء السياسات الظالمة التي انتهجتها سلطات الجور الحاكمة آنذاك، و ظرف التقيّة هذا قد يوجب على الإمام (ع) الإجابة عن مسألة بجواب يوافق فتاوى علمائهم و أئمّة مذاهبهم، فنفس السبب الموجب لترجيح الخبر المخالف لأخبار العامّة موجود في الخبر المخالف لآراء علمائهم.
إذاً، بمناسبات الحكم و الموضوع يمكننا التعدّي من أخبار العامّة إلى آرائهم، و نخلص إلى أنّه في حالة ورود الخبرين المتعارضين و عدم وجودهما