الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٩٣ - الحكم الأول قاعدة الجمع العرفي
و لا يختصُّ الحاكمُ بالتضييقِ، بل قد يكونُ موسِّعاً، كما في حالاتِ التنزيلِ؛ نظيرَ قولِهم: «الطوافُ بِالبيتِ صلاةٌ»، فإنّه حاكمٌ على أدلّةِ أحكامِ الصلاةِ من قبيلِ: «لا صلاةَ إلا بطهورٍ» لأنّه ناظرٌ إلى تلك الأحكامِ و موسِّعٌ لموضوعِها بالتنزيلِ؛ إذ يُنزِّلُ
الطوافَ منزلةَ الصلاةِ.
و يلاحظُ من خلالِ ما ذكرناهُ: التشابهُ بينَ الدليلِ الواردِ النافي لموضوعِ الحكمِ في الدليلِ المورودِ، و بينَ الدليلِ الحاكمِ الناظرِ إلى موضوعِ القضيةِ في الدليلِ المحكوم، و لكنَّهما يختلفانِ اختلافاً أساسيّاً؛ لأنّ الدليلَ الواردَ نافٍ لموضوعِ الحكمِ في الدليلِ المورودِ حقيقةً، و أمّا الدليلُ الحاكمُ المذكورُ فهو يستعملُ النفيَ كمجرّدِ لسانٍ لأجلِ التنبيهِ على أنّه ناظرٌ إلى الدليلِ المحكومِ و قرينةٌ عليه.
و يترتّبُ على هذا الاختلافِ الأساسيِّ بين الدليلِ الواردِ و الدليل الحاكمِ المذكورِ، أنّ تقدُّمَ الدليلِ الواردِ بالورودِ لا يتوقّفُ على أنْ يكونَ فيه ما يُشعِرُ أو يدُلُّ على نظرهِ إلى الدليلِ المورودِ و لحاظِه له لأنّه ينفي موضوعَ الدليلِ المورودِ، و مع نفيِه لموضوعِه ينتفي حكمُه حتماً، سواءٌ كان ناظراً إليه أو لا.
و أمّا الدليلُ الحاكمُ فهو حتّى لو كان لسانُه لسانَ نفي الموضوعِ لا ينفي موضوعَ الدليلِ المحكومِ حقيقةً، و إنّما يُستعملُ هذا اللسانُ لكي ينفي الحكمَ. فمفادُ الدليل الحاكمِ لبّاً و حقيقةً نفيُ الحكم،