الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٣١ - تصوير النقض
اليقين السابق على حاله و لا يسري إليه الشكّ، و من ثمّ يمكن اجتماعهما في وقت واحد عند المكلّف، و على هذا الأساس جاء طرح التساؤل السابق و أنّ النقض كيف أُسند إلى الشكّ، مع أنّ اليقين السابق باقٍ على حاله؟
و هنا نقول: إنّ هناك نكتة دعت الرواية إلى التعبير ب «لا تنقض اليقين بالشكّ»، و هي: أنّ العرف ينظر إلى الشيء المتيقّن و المشكوك على أنّه شيء واحد و ذلك من خلال إلغاء خصوصيّة الزمان المقطّعة له إلى حدوث و بقاء، فإنّه بهذه النظرة العرفية يكون الشكّ متعلّقاً بنفس ما تعلّق به اليقين فيصحّ إسناد النقض إلى الشكّ، و واضح أنّه إسناد تسامحيّ لا حقيقيّ، و إلّا فبحسب الدقّة العقلية لا يكون ناقضاً كما أشرنا له.
بيان ذلك: أنّنا إذا رجعنا إلى العقل نجد أنّ زمان حدوث الشيء و زمان بقائه مقطعان زمنيان مختلفان، فالزمان كما قرأنا في الفلسفة [١] و إن كان حقيقة واحدة تتّصل أجزاؤها بعضها ببعض بنحو لا يتخلّلها فواصل، فهو تدريجيّ و لا ينقضي منه آن إلّا بمجيء آن آخر، إلّا أنّ العقل يقوم بتقسيمه إلى مقاطع كالليل و النهار، و الحدوث و البقاء، و اليوم الأوّل و الثاني، لأغراض تنفع الإنسان و تساهم في تكامله، كما يقسّم الرياضي الخط المستقيم إلى النقطة «أ» و «ب» لأغراض علميّة.
و لكن هذا الشيء المقسّم في نظر العقل يراه العرف شيئاً واحداً من دون أن يقطعه إلى مقطع زمانيّ سابق و مقطع زمانيّ لاحق، و بهذه الملاحظة يكون الشكّ متعلّقاً بنفس ما تعلّق به اليقين، إذ النظر إلى ذات الشيء المتعلّق و المشكوك مع قطع النظر عن الزمان يجعل من الطهارة مثلًا المتيقّنة سابقاً
و المشكوكة لاحقاً أمراً واحداً، و بهذه الملاحظة يصحّ إسناد النقض
[١] () انظر: نهاية الحكمة: ص ٢١٤.