تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٢ - تبصرة مشرقية الجبر و التفويض
توقّد بينهم نيران العداوة و البغضاء إلى يوم القيمة، فيلعن بعضهم بعضا، و يكفّر بعضهم و يطعن بعضهم على بعض بحرقة في قلوبهم و ألم في نفوسهم، كما حكى اللّه عن أهل الجحيم بقوله: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [٧/ ٣٨] و قالوا رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا [٧/ ٣٨] يعني: من كان بينهم رئيسا و مقتدا في رأيهم في الضلال، و قيل لهم فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [٧/ ٣٩].
و بظهور هذه الآراء الفاسدة و البدع الخبيثة و الأهواء الرديّة انطمس أهل الحقّ و ضاع السير الفاضلة و غابت العلوم الإلهيّة من بين الخلق، و صارت كأن لم يكن شيئا مذكورا.
و هذه الآراء و الأهواء كثيرة كلّها من هذا القبيل، و ستعلم وجه بطلانها مع هذه الشهرة العظيمة للقائلين بها و الرواج لها حيث ترى الكتب الكلامية و غيرها مشحونة بذكرها و ذكر نظائرها و نسبة قائلها إلى الفضل و البراعة و الخوض في تحقيق اصول الشريعة و فروعها بهذه الكلمات الواهية و الآراء العاطلة.
فكانوا يتصدّرون في المجالس و يتفاخرون على الأماثل و يعيّنون بالأنامل، و بضاعتهم في العلم و المعرفة و رأس مالهم في الفضيلة بأمور [امور- ظ] لا تفيد علما و لا تنتج فائدة.
مثل كلامهم في الطفرة و التفكيك، و سكون المتحرّك، و التداخل، و شيئية المعدوم و إعادته. و نفي الجزء و إثبات الخلأ، و إنكار الروح، و نفي التوحيد، و إثبات الكثرة على اللّه، و تجويز الرؤية له، و خلق الأعمال، و نفي القدرة عن العبد و نفي الوجود الذهني، و انكار عالم الملكوت و النشأة الباقية، و جوهرية الطعوم و الروائح بل رؤيتها- إلى غير ذلك من المسائل المموّهة المزخرفة التي لا حقيقة لها و لا وجود إلا في الأوهام الكاذبة، لا تصحّ لمدع فيها حجة و لا لسائل عنها برهان.
و ثلّة من الأولين منهم قد بقوا في هذا الزمان، شاهدناهم يخوضون في الثواني و المعقولات، و هم لا يعرفون الأوائل و المحسوسات، و يتعاطون البراهين من غير ممارسة