تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٢١ - تبصرة مشرقية الجبر و التفويض
كنان فكره إلّا و رماها إلى صاحبه في ميدان المجادلة و المناظرة، و مع ذلك لم يأت أحد منهما بحاصل في الدين، و لم يظفر بطائل في سلوك طريق اليقين.
بل ما زادتهم هذه إلّا استكبارا و جحودا و عنادا و لم يزدهم إلّا نفرة عن الحقّ و بعادا، و ذلك لاشتغالهم بالفروع عن الأصول و اهتمامهم عن الواجب المهمّ بالفضول و استغراقهم في المجادلة بالردّ و القبول، و لذلك حرموا عن الوصول و منعوا عن معاينة المعاني لا بفكر و نظم قياسي، و يئسوا عن مشاهدة الحقائق لا باعتمال و نصب تعريف حدّي أو رسمي، بل بأنوار شارقة متفاوتة، و إلهامات بارقة متتالية تزيد في العمر و البقاء و تطلق الروح عن المهوى و تسلب النفس عن هذه القوى و ترغبها عن الدنيا و تسوقها إلى العقبى و تشوقها إلى لقاء الربّ تعالى.
و اعلم إنّ أكثر أصحاب البحوث قد تركوا وصية ربّهم و نصيحة نبيّهم سلام اللّه عليه و آله فيما أمروا من تزكية نفوسهم و تصفية بواطنهم و إصلاح قلوبهم و تعديل قواهم و تهذيب أخلاقهم و تصقيل مرآة قلوبهم ليتجلّى فيها خبايا عالم الملكوت، و ينكشف لديها خفايا أسرار الجبروت، و أدركوا الأشياء كما هي- كما
وقع دعاء نبيّهم صلى اللّه عليه و آله له و لامته: «اللّهم أرنا الأشياء كما هي».
فرفضوا طريق الهداية و السعي في بلوغ النهاية و لم يقرءوا صحيفة الملكوت من كتابها و لم يأتوا البيوت من أبوابها، فاغترّوا من حقائق الدين بلوامع سرابها، و قنعوا فيه من أنوار وجوه الحكمة و اليقين بظلمات نقابها، فاشتغلوا بما قد نهوا عنه بذكر عيوب بعضهم بعضا و شنعة بعضهم على بعض، فصاروا فرقا و مذاهب و شيعا و أحزابا، كلّ حزب بما لديهم فرحون، و هم في العذاب مشتركون، إلّا من آمن منهم باللّه و اليوم الآخر ببصيرة صافية عن غشاوة الشكّ و الامتراء، و قلب فارغ عن مرض العناد و المراء.
و لما تركوا وصيّة ربّهم، و نصيحة رسولهم و نسوا يوم الآخرة و ركنوا إلى الدنيا،