تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥ - نكتة
و قد أمر صلى اللّه عليه و آله امّته ان يضيّقوا عليه تلك المجاري بالجوع و العطش في قوله صلى اللّه عليه و آله [١]: ضيقوا مجاري الشيطان بالجوع فقد اقعد له كل مرصد و اخذه كل مأخذ حتّى كاد أن يجليه من الأرض أيضا. و ذلك ما أشار اليه صلى اللّه عليه و آله في بعض دعواته [٢]: و نورا في شعري و نورا في دمي و نورا في لحمي. فلما كان للشيطان فيما مضى الولوج في طبقات السموات كان يهتف من الداخل و من داخل الداخل كما يهتف من الخارج فكانت الاستعاذة من هواتفه و هواجسه و مغاليطه و وساوسه عسيرا شديدا جدّا.
و أما اليوم بحمد اللّه و بإشراق النور المحمّدي- صلى اللّه عليه و آله- فهو طريد رجيم.
فلا يأتيك هاتفه و هاجسه إلا من خارج أبواب القلب و النفس و الطبع فليس عليك إلّا سدّ مجاريه بترك الشهوة و الغضب و حبّ الجاه و الرياسة. و هذه منبعثة من أبواب خارجة عن بواطن الإنسان لأنها حاصلة من الافراط في الأكل و الشرب و طلب الهوى و ينقطع مواد هذه الأمور بالجوع و الصوم كما مرّ في الحديث المذكور و كما يعلم من
قوله الصوم جنّة من النار.
[٣] و كذلك يسهل على السالك اليوم التمييز بين الهواتف و اللمّات. و الفرق بين لمّة الملك و لمّة الشيطان فليس عليك إلا تمييز واحد و ذلك أن تميّز و تفرّق إذا أتاك الهاتف هل أتاك من خارج أو داخل. فإن تبينّت إنه أتاك من داخل فثق به و اعتمد عليه. فان كل هاتف يأتيك اليوم من داخلك فهو من ملائكة رب العالمين و هذا القدر من التمييز يسير على من يسرّ اللّه له فهذا مما دل على أن الاستعاذة من شرّ الشيطان ميسّر لهذه الامة المرحومة دون سائر الأمم لأنه مطرود مرجوم عن سماء باطنهم و لهذا يحسن لهم أن يقولوا:
نعوذ باللّه من الشيطان الرجيم.
[١] رواه الغزالي في الأحياء (١/ ٢٣٢) و ما وجدته فيما بيدي من الجوامع الروائية.
[٢] الجامع الصغير: ١/ ٥٧.
[٣] الفقيه: باب فضل الصيام: ٢/ ٧٤. الكافي: باب ما جاء في فضل الصوم: ٤/ ٦٣.