تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٩ - فصل اتصافه تعالى بالرحمة
غاية ما حصل لأصحاب الأنظار من العلم بمثل هذه الأسماء و الصفات.
و اعلم انّ هذا العلم ٣٦ أيضا مما خصّه اللّه به أهل الاشارة دون العبارة، إذ ما ذكروه يؤدّي إلى فتح باب التأويل في أكثر ما ورد في أحوال المبدإ و قد مرّ في مفاتيح الغيب شيء مما يتعلق بهذه المسألة.
و اعلم إنّ جمهور أهل اللسان لمّا صادفوا بالاستقراء جزئيّات ما يطلق عليه اسم النار في هذه الدار حارّة حكموا بأنّ كلّ نار حارّة و لكن من انفتح على قلبه باب إلى الملكوت فربما شاهد نيرانات كامنة في بواطن الأمور تسخّن الأشياء تسخينا أشدّ من تسخين هذه النار المحسوسة و مع ذلك ليست متسخّنة ذات حرارة و هي كقوّة الغضب و ما فوقها كالنفس و ما فوقها كقهر اللّه فالحكم بأنّ كل نار حارّة على عمومه غير صحيح عنده، و كذلك لما شاهدوا في هذا العالم كلّ محرك لشيء متحرّكا و كلّ فاعل لشيء متغيّرا في فاعليّة حكموا بأنّ كلّ محرّك متحرّك و كلّ فاعل لشيء فاعل بعد ما لم يكن، و عند التحقيق و العرفان ظهر انّ ما زعموه مخالف للبرهان و كذلك أشياء كثيرة من هذا القبيل.
و السر في الجميع انّ موجودات هذا العالم كلّها لنقصانها في درجة الموجودية و نزولها في أقصى مرتبة النزول و الخسّة يصحبها أعدام و قوى و انفعالات من جهة المادة الجسميّة فمبادي أفاعيلها لا تنفكّ عن انفعالات و ليس هاهنا فاعل غير منفعل و لا مؤثّر غير متأثّر و لا معط غير آخذ و لا راحم غير مرحوم و هذا انما هو بحسب الاتّفاق لا انّ هذه الأفاعيل داخلة في مفهوماتها تلك الانفعالات. فقول أهل الحجاب و أصحاب الارتياب:
كلّ كاتب متحرّك الأصابع و كل فلك متحرّك، ليس عند أهل المشاهدة صحيحا بل كلّية هذه القضايا عندهم ممنوعة بل ممتنعة إذ مفهوم الكاتب هو المصوّر للمعاني و المنقّش للحقائق و ليست حركة الأصابع داخلة في مفهومه و لا من شرطه تحريك الأنامل فربّ