تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧١ - مكاشفة
و المهيّات التي نالتها كلها الرحمة الوجودية هو عين الغضب و الانتقام. فبالرحمة ٣٩ أو جد اللّه ٤٠ عين الغضب فيكون أصله خيرا و كذا ما يترتّب عليه من الآلام و الأسقام و البلايا و المحن و أمثالها مما لا يلائم بعض الطبائع، و إليه
أشار عليه و آله السلام بقوله: [١] إنّ الخير كلّه بيديك و الشرّ ليس اليك.
و من أمعن النظر في لوازم الغضب من الأمراض و الآلام و الفقر و الجهل و الموت و غير ذلك، يجدها كلّها بما هي أعداما أو أمورا عدميّة معدودة من الشرور و أما بما هي موجودات فهي كلّها خيرات فائضة من منبع الرحمة الواسعة و الوجود الشامل لكل شيء فعلى هذا يجزم العقل بأنّ صفة الرحمة ذاتيّة للّه تعالى و صفة الغضب عارضيّة ناشية من أسباب عدميّة إمّا لقصور الوجودات الإمكانية عن الكمال بحسب درجات بعدها عن الحقّ القيّوم أو لعجز المادّة عن قبول الوجود على الوجه الأتم فينكشف عند ذلك انّ مآل الكلّ إلى الرحمة ٤١ كما ورد في الحديث فيقول اللّه: شفعت الملائكة و شفع النبيّون و شفع المؤمنون و لم يبق إلا أرحم الراحمين [٢].
قال الشيخ العربي في الفتوحات المكية: و اعلم إنّ اللّه يشفع من حيث أسماؤه فيشفع اسمه أرحم الراحمين عند اسمه القهّار و شديد العقاب ليرفع عقوبته عن هؤلاء الطوائف. فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، و قد نبّه اللّه تعالى على هذا المقام فقال يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً فالمتّقى إنّما هو جليس الاسم الإلهي الذي يقع منه الخوف في قلوب العباد. فسمّى جليسه متّقيا منه فيحشره اللّه من هذا الاسم إلى الاسم الذي يعطيه الأمان ممّا كان خائفا منه، و لهذا يقول صلّى اللّه عليه و آله
[١]
في جامع الأصول: كتاب الدعاء (٥/ ٤٠): الخير كله في يديك ...
[٢] المسند: ٣/ ٩٤.