تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٣ - فصل فيه حكمة مشرقية كيف يخدع الإنسان نفسه
و تحقيق ذلك يبتنى على معرفة النفس الإنسانيّة و هي إنّ للنفس الإنسانيّة نشآت و مقامات متعدّدة كالحسيّة و الخياليّة و العقليّة و لها مراحل و منازل متفاوتة كالدنيا و البرزخ و الآخرة، و أكثر الناس ما داموا في الدنيا فمقام نفوسهم بالفعل عالم الحسّ و لها بالقوّة نشأة الروح و العقل، و ذلك إذا لم يبطل استعدادها لحصول النشأة الباقية. و أما إذا بطل ذلك بمسخ باطنهم و طمسه بالكلّية فليست نفوسهم هي أرواحا و لا عقولا لا بالفعل و لا بالقوّة و لا لها نشأة إلّا نشأة الحسّ فقط كنفوس سائر الحيوانات.
و بعض الناس ممّن خرجت نفسه من القوّة إلى الفعل في نشآته الثلاث كالكمّل من العلماء الإلهيّين و الأولياء، فلهم من الأحديّة الحقّة ما حازوا به الأكوان الثلاثة و لا يشغلهم شأن عن شأن و لا يمنعهم موطن عن موطن.
فإذا تقرّر هذا فنقول: النفس بحسب كلّ مقام و نشأة هي غيرها بحسب مقام آخر و نشأة اخرى و بواسطة مزاولة أفعال تناسب النشأة الدنيويّة و تكريرها تقوّى الجنبة السافلة منها و تضعف الجنبة العالية و بالعكس عند مزاولة أفعال تناسب النشأة الآخرة و تكريرها.
و عند الرسوخ في الأفعال الشهويّة و الغضبيّة و الأعمال البهيميّة و السبعيّة، يبطل النشأة العقليّة و الحيوة الملكيّة بالكليّة بحيث لا يرجى إمكان عودها و ذلك هو الخسران المبين، لأنّ النفس خسرت ذاتها الباقية و نشأتها العقليّة و عوّضت عنها بهذه النشاة الفانية و الحيوة الحسّية كما قال: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [٦/ ١٢] بتضييع رأس مالهم و هو الفطرة السليمة و العقل السليم.
و من هذا القبيل وقوع المخادعة بين النفس و ذاتها لكونها ذات وجهين: وجه إلى الحسّ و الشهوة و الدنيا و الشيطان، و وجه إلى العقل و العدالة و العقبى و الملك، و لكلّ من الوجهين أسباب و مهيّجات و دواعي و أغراض و أشخاص من جنود الشيطان و جنود الملك و المنازعة [بين القبيلين] و المطاردة قائمة في عرصة باطن الإنسان و ميدان