تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٠ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٨
من قسم الأشقياء.
فإنّ القرآن ليس هدى للفريق الأول من الأشقياء لامتناع قبولهم للهداية، لعدم استعدادهم. و لا للثاني لزوال استعدادهم و مسخهم و طمسهم بالكليّة لفساد اعتقادهم فهما جميعا أهل الخلود في النار.
و لفظ «هدى للمتّقين» و إن عمّ الأصناف الخمسة- لأنّ المراد بهم في هذا الموضع هم المستعدّون الذين بقوا على فطرتهم الأصليّة و اجتنبوا رين الشرك و الشكّ لصفاء قلوبهم و بقاء نورهم الفطري فلم ينقضوا عهد اللّه في الميثاق، فلهم نصيب من القرآن كلّ بوجه- إلا انّه تعالى خصّ بالإشارة صنفين منهم إلى أحوالهما لمزيد منزلتهما و حالهما.
أحدهما أهل الفضل و الثواب من أصحاب اليمين المشار إليهم بقوله الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
و الثاني: السابقون المقرّبون المشار إليهم بقوله وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ فقد علم من أحوالهم إنّهم من أهل الرسوخ العلمي.
و لما ذكر المؤمنين بقسميه- أي العاملين و العالمين- ثنّاهم بأضدادهم الذين محضوا الكفر لسانا و ضميرا، ظاهرا و باطنا، و لم يلتفتوا لغت الايمان رأسا بقوله: إنّ الّذين كفروا الآيتين.
و هم الفريق الأول من الأشقياء الذين هم أهل القهر الإلهي لا ينجع فيهم الإنذار و لا ينفع لهم التذكار و لا خلاص لأحدهم من النار كذلك حقّت كلمة ربّك على الّذين لا يؤمنون كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ [٤٠/ ٦] سدّت عليهم الطرق و أغلقت عليهم الأبواب إذ القلب هو المشعر الإلهي الذي هو محلّ الإلهام و منزل الكرامة فحجبوا عنه بختمه.