تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨١ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٨
و السمع و البصر هما مشعران للإنسان اللذان هما بابا الفهم و الاعتبار، فحرموا عن جدواهما لامتناع نفوذ المعنى فيهما إلى القلب. فلا سبيل لهم في الباطن القلبي إلى عالم العلم الإلهي الكشفي و لا في الظاهر السمعيّ و البصري إلى الباطن القلبي و العلم التعليمي الكسبي.
فحبسوا في سجون الظلمات و حبوس التعلّقات و قيود الجحيم و السلاسل و الأغلال و العذاب المقيم، فما أشدّ عذابهم.
و لما ذكر تعالى أوصاف القسمين أعني المؤمنين و الكافرين مطلقا، ثلّث بذكر القسم الثالث و هم الذين آمنوا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم تكميلا للتقسيم، و هم أخبث قلبا من الكفرة و أبغضهم إلى اللّه لأنّهم موّهوا الكفر بالايمان فخلطوا به خداعا و استهزاء.
و لذلك طوّل في بيان خبثهم و جهلهم و استهزائهم، و تهكّم بأفعالهم، و سجّل على عمههم و طغيانهم، و ضرب فيهم الأمثال و أنزل فيهم: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [٤/ ١٤٥] لأنّهم مع ادعائهم الايمان بقولهم آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ سلب عنهم الايمان و ما هم بمؤمنين.
لأنّ حقيقته العلم بحقائق الأمور الإلهيّة و محلّه هو القلب لا اللسان قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [٤٩/ ١٤] و معنى قولهم: آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ادعاؤهم لعلمي التوحيد و المعاد اللذين هما أصل الدين و أساسه، أي لسنا من المشركين المحجوبين عن الحقّ و لا من أهل الكتاب المحجوبين عن الدين و المعاد لأن اعتقاد أهل الكتاب ليس مطابقا للحقّ و الصواب.
و اعلم إنّ الكفر هو الاحتجاب كما مرّ، و الاحتجاب إمّا عن الحقّ فهو كما للمشركين، و إمّا عن الدين كما لأهل الكتاب. و المحجوب عن الحقّ محجوب عن الدين الذي هو طريق الوصول إليه بالضرورة.