تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٨ - فصل فيه ذكر مشرقى السمع أشرف من البصر
بعض فهو كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف، و البصر لا يوقفك إلّا على المحسوسات أقول: و في هذا الوجه محل نظر و كأنّ مراد القائل، إنّ الواسطة بين السمع و العقل أقلّ ممّا بين البصر و العقل. فإنّ العقل يفهم المعاني من النقوش و الكتابة بواسطة دلالتهما على الألفاظ و دلالة الألفاظ على الصور العقليّة و يفهمهما من النقوش السمعيّة لدلالتها على الصور العقلية بلا واسطة، و كأنّ الهواء بما فيها من صور الألفاظ صحيفة مكتوبة يدلّ على المعاني من غير توسط الألفاظ لأنّها نفس الألفاظ.
و قيل بأنّ البصر أقدم لأن آلة القوّة الباصرة أشرف و لهذا يقال لهما: كريمتان.
و
في الحديث: «من أحبّ كريمتاه لا يكتبن بالعصر»
و لأنّ متعلّق القوّة الباصرة هو النور، و متعلّق القوّة السامعة هو الريح.
أقول: و لأنّ البصر يعمّ إدراكه القريب و البعيد إلى فلك البروج، و السمع لا يتعدّى إدراكه عن كرة البخار و لأنّ إدراك البصر دفعيّ و إدراك السمع زمانيّ تدريجيّ و الأول أشرف لكونه يشبه إدراك العقل و الثاني يشبه الحركة و الاستحالة، و معلوم إنّ العقل أشرف من الحركة لأنّه أشرف الجواهر و هي أخسّ الأعراض و الشبيه بالأشرف أشرف من الشبيه بالأخسّ فالبصر أشرف من السمع.
فصل فيه ذكر مشرقى [السمع أشرف من البصر]
لعلك كنت ناظرا فيما ذكرنا من قبل في المفاتيح الغيبيّة، الفرق بين كلام اللّه و كتابه و انّ أحدهما لكونه من عالم الأمر و الإبداع أشرف من الآخر لكونه من عالم الخلق و التقدير.
فاعلم إنّ للنفس الإنسانيّة المخلوقة على صورة الكمال و هي على بيّنة من ربّها كتابا و كلاما و هما يدلّان على كلام اللّه و كتابه يشهدان عليهما، الكلام على الكلام و الكتاب