تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٩ - فصل احتجاجات الاشاعرة و المعتزلة بهذه الآية و نظائرها
بل كانوا معذورين كالأعمى في أن لا يرى.
و الرابع: إنّ القرآن إنّما انزل ليكون حجّة للّه و لرسوله عليهم، لا أن يكون حجّة لهم على اللّه و على رسوله، فلو كان العلم و الخبر مانعين لكان لهم أن يقولوا: إنّما كفرنا لسبق القضاء على كفرنا و ترك المقضيّ مستحيل فلم يطلب المحال منّا و لم يأمرنا بالمحال؟! و الخامس: إنّه لو كان علمه السابق بعدم الايمان مانعا عن الايمان، لوجب أن لا يكون اللّه قادرا على شيء أصلا. و التالي باطل فكذا المقدم، بيان الملازمة إنّ الذي علم وقوعه واجب و الذي علم عدم وقوعه ممتنع، و شيء من الواجب و الممتنع لا يكون مقدورا إذ المصحّح للمقدوريّة هو الإمكان، دون قسيميه.
و السادس: إنّ الأمر بالمحال سفه و عبث، فلو جاز ورود الشرع به لجاز وروده بكلّ أنواع السفه، فما كان يمنع وروده بإظهار المعجزة على يد الكاذب، فلا يبقى وثوق بصحّة النبوّات و لا بصحّة القرآن و سائر الكتب. بل يجوز أن يكون الكلّ سفها و باطلا.
و السابع: لو جاز ورود الأمر بالمحال لجاز الأمر للأعمى برؤية النجوم في السماء، و الزمن بالطيران في الهواء، و لو جاز ذلك لجاز بعثة الأنبياء عليهم السلام إلى الجمادات و العجماوات، و إنزال الكتب و الملائكة عليهما لتبليغ التكاليف حالا بعد حال، و معلوم انّ ذلك سخريّة و تلاعب بالدين.
قال صاحب بن عبّاد في فصل له في هذا الباب: كيف يأمره بالايمان و قد منعه منه؟
و ينهاه عن الكفر و قد حمله عليه؟ و كيف يصرفهم عن الايمان ثمّ يقول أَنَّى يُصْرَفُونَ [٤٠/ ٦٩] و يخلق فيهم الإفك ثمّ يقول: أَنَّى يُؤْفَكُونَ [٥/ ٧٥] و أنشأ فيهم الكفر ثمّ يقول: لِمَ تَكْفُرُونَ [٣/ ٩٨] و خلق فيهم لبس الحق بالباطل، ثمّ يقول: وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ [٢/ ٤٢] و صدّهم عن السبيل ثمّ يقول: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [٣/ ٩٩] و حال بينهم و بين الايمان ثمّ قال وَ ما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا [٤/ ٣٩] و ذهب بهم عن الرشد ثمّ قال: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [٨١/ ٢٦] و أضلّهم عن