تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٠ - فصل
فقوله: لا ريب فيه المراد منه نفي كونه مظنّة الريب بوجه من الوجوه- لكونه من العقليّات الدائمة الموجودة في علم اللّه و في اللوح المحفوظ- من التغيّر و النسخ، و سائر الكتب ليست كذلك، لأنّها ككتاب المحو و الإثبات قابلة للنسخ و التبديل.
و إنّما قلنا «لا ريب» فيه يراد منه نفي الريب بالكليّة، لأن «لا» نفي لماهية الريب و جنسها، و نفي المهية يقتضي نفي كلّ فرد من أفرادها، لأنه لو ثبت فرد من أفرادها، لثبت المهيّة معه، و ذلك يناقض نفيها بالكليّة.
و لهذا السرّ كان قولنا: لا إله إلّا اللّه، نفيا لجميع الآلهة سوى اللّه.
و أمّا قرائة لا ريب فيه بالرفع، نقيض قولنا: ريب فيه، كما قرأها ابو الشعثاء [١]، فذلك النفي لا يوجب انتفاء جميع الأفراد، لأنّه ليس لنفي المهيّة، بل لنفي فرد من الأفراد و هو لا ينافي ثبوت فرد آخر.
و اعلم إنّه إذا جعل «ذلك الكتاب» إشارة إلى القرآن الحاضر عندنا، فيكون معنى لا ريب فيه: إنّه لوضوحه و سطوع برهانه بحيث لا يرتاب العاقل بعد إمعان النظر الصحيح و الفكر السليم في كونه و حيا من عند اللّه بالغا حدّ الإعجاز لا انّ أحدا لا يرتاب فيه، فليس المراد نفي الريب على سبيل الاستغراق فيه، إذ كم من مرتاب فيه بل المراد نفي كونه مظنّة للريب و متعلّقا له.
ألا ترى إلى قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ الآية، فإنّه ما أبعد وجود الريب عنهم، بل بيّن لهم الطريق إلى إزاحة ذلك عن أذهانهم، و هو أن يجتهدوا و يجرّبوا نفوس أمثالهم في معارضة نجم من نجومه، و هم أمراء الكلام و زعماء المحاورة، و يبذلوا غاية جهدهم في مقابلة سورة من سوره، و هم فرسان اللسان و المتهالكون على الافتنان في القصائد و الرجز، حتّى إذا عجزوا عنها تحقّق لهم أن
[١] هو جابر بن زيد الأزدي ابو الشعثاء. قال في خلاصة تهذيب الكمال [٥٩] :
«قال احمد: مات سنة ثلاث و تسعين، و قال ابن سعد: سنة ثلاث و مائة».