تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٧٢ - معارضة على اثبات قدرة صانع العالم بوجوه
لأنّ الترك عدم، و العدم نفى محض. و لا فرق بين قولنا «لم يكن مؤثّرا» و بين قولنا «أثّر فيه تأثيرا عدميّا» و لأنّ قولنا «ما أوجده» معناه أنّه بقى على العدم الأصلي. فاذا كان العدم الحالىّ عين ما كان استحال استناده إلى القادر، لأنّ تحصيل الحاصل محال، فثبت أنّ الترك غير مقدور. و إذا كان كذلك استحال أن يقال:
القادر هو الّذي يكون متردّدا بين الفعل و الترك. فان قلت: الترك هو فعل الضدّ، فالقادر متردّد بين فعل الشيء و بين فعل ضدّه. قلت: فيلزمك أن لا يخلو القادر عن فعل أحد الضدّين، فيلزمك إمّا قدم العالم او قدم ضدّه، و أنت لا تقول به.
النوع الثانى سلّمنا أنّ القادر في الجملة معقول، لكن تعذّر إثباته هنا، لوجوه أربعة:
الأوّل- و هو أنه تعالى لو كان قادرا لكانت قادريّته إمّا أن تكون أزليّة او لا تكون. و الأوّل محال، لأنّ التمكّن من التّأثير يستدعى صحّة الأثر، لكن لا صحّة في الأزل، لأنّ الأزل عبارة عن نفى الأوليّة. و الحادث ما يكون مسبوقا بالأوّل، و الجمع بينهما [متناقض] محال. و الثانى محال، لأنّ قادريّته إذا لم تكن أزليّة كانت حادثة فافتقرت إلى مؤثّر، فان كان المؤثر مختارا عاد البحث كما كان، و إن كان موجبا كان المبدأ الأوّل موجبا. فان قلت: إنّه في الأزل يمكنه الايجاد فيما لا يزال، و حاصله أنّ امتناع الأثر عند قيام المقتضى قد يكون لحضور المانع. قلت: المانع إن كان ممكن الزوال لذاته، [فليفرض ارتفاعه و حينئذ يصحّ الفعل الأزلىّ، هذا خلف. و إن كان ممتنع الزوال لذاته] وجب أن يكون كذلك أبدا، إذ لو جاز أن ينقلب لجاز أن يقال: العالم كان ممتنعا لذاته، ثمّ انقلب واجبا.
الثانى- أنّ مقدور القادر لا بدّ و أن يتميّز عن غيره، لأنّ اقتدار القادر عليه نسبة بين القادر و بينه، و ما لم يتميّز المنسوب إليه عن غيره استحال اختصاصه بتلك النسبة دون غيره، و لأنّ تمكّن القادر من الجمع بين الحركة و السواد