تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٥٠٤ - الرسالة النصيرية
بلواه و إلّا فهو مسىء مبكت.
فاذن كلّ انسان كانت نفسه النطقيّة غير متّبعة للملاذ البدنيّة، بل كانت ملتئمة إلى ذاتها و مباينة للبدن في إرادتها، فانّها لاستحكام ثقتها بمن هو أوّله و آخره، و صدق موالاتها لمن له الخلق و الأمر، تنال الراحة من الشرور الانسيّة و ناء من المخاوف و سلم من الحيرة.
و يشبه أنّ الحكمة أثر من كبرياء اللّه، و لا كبرياء فوق كبريائه. و إنّ من آثرها و شرّف تزيينها فهو لا يعدّ المال جمالا و لا الرئاسة كمالا، و لا يخضع لجاه و إن جلّ، و لا للذّة و إن عظمت بل لا يعدّ الدنيا و ما حوته ثمنا لنفسه الزكيّة. ثم لا يرى كرامته متعلّقة بتزيين بدنه، فإنّ المرأة قد تتزيّن و لا باصابة العطايا الكثيرة، فإنّ الصبىّ قد ينالها و لا بأن يتخاضع له الأقران، فإنّ الفاتك قد تتخاضع له و لا باستخلاص صنوف الشهوات، فإنّ الأنعام قد تستخلصها.
لكن يتّجه همّته إلى العناية بتطهّر نفسه و استصفاء أخلاقه و استغرار معالمه و استكمال اداته. و يرى إكرام نفسه متعلّقا بتنحيتها عن العجب و الترف، و تبعيدهما عن الجهالة و الجور، و رياضتها على الانقياد للحقّ و تشريفها بالهداية للخلق علما منه بأنّ الانسان الكامل هو الّذي استحكمت دربته على هذه السيرة و استولى مرانته على هذه السجيّة، فإنّ اللّه جلّ جلاله عدل، و لا يحبّ إلّا العدل و اللّه طاهر و لا يحبّ إلّا الطاهر.
فاذن المؤثّر للعلم و الحكمة، و المختار للجود و العدالة، و المواظب على التعفّف و العبادة، و المخلص للتوكّل و العقيدة جدير بأن يصير في أنحائه كلها مؤيّدا بالعقل الأصيل و الرأى السديد و الفراسة القديمة و الاطّلاع على المعانى المغيبة.
و ليس يشكّ أنّ من آثر لنفسه هذه السيرة لم يعرض له مخافة الفقر و لا خشية الذلّ، فانّه ينظر إلى القنيات الدائرة بعين المقت و الحقارة، فيمتنع من