تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٨٧ - بقاء النفس بعد بوار البدن
ترتسم في متخيلات الحيوانات التى هى ذوات أوضاع.
لأنّا نقول: هى من حيث ارتسامها في ذوات الأوضاع ذوات أوضاع، لأنّ الاشارة إلى محالّها إشارة إليها. و إنّما الخيال إذا أدركها انتزعها من أوضاعها التى كانت قبل الانتزاع معها، و حدث لها وضع آخر هو وضع الجزء من الدماغ، الّذي هو محلّ الخيال من حيث كونه في ذلك الجزء. فلفقدان أوضاعها المنتزعة منها يظنّ أن لا وضع لها، و لا منافات بين كون الشيء ذا وضع و بين إدراك ذى وضع له، لا من حيث هو ذو وضع، بل من حيث هو منتزع من وضعه الأوّل. فاذن ثبت أنّ الصور الخياليّة ذوات أوضاع من حيث ارتسامها في الخيال، و إن كان الخيال لا يدركها مع الأوضاع السابقة المفارقة لها.
و إذا تقرّر ذلك نقول: إنّ النفس الانسانيّة العاقلة يرتسم فيها معقولات لا وضع لها، فهى لا تكون ذات وضع، فلا يكون جسما و لا مادّة، و لا يكون حالّة في ذى وضع، فلا يكون صورة جسمانيّة و لا عرضا من شأنه أن يحلّ في جسم و لا قوّة بدنيّة، بل إنّما تكون جوهرا قائما بذاته مفارقا للجسم و المادّة متعلّقا بالبدن تعلّق تدبير لها و تصرّف فيها، يستعمله استعمال صانع لآلاته، و يفيد للبدن صورة بها يجعله شخصا من الأشخاص الانسانيّة. و كيف لا و جميع القوى الجسمانيّة، كالحواسّ الظاهرة و الباطنة و غيرها، تضعف بعد سنّ الوقوف، و هى تقوى، إذ يصير تعقّلها أدقّ و أتمّ و أكمل. و تلك لا تدرك أنفسها، و هى تدرك نفسها، و تلك لا تدرك ما يتعلّق بها من الأوضاع، و هى تدرك البدن الّذي يتعلّق بها، و أيضا النفس ترتسم بالمعقولات الوحدانيّة التى لا تقبل الانقسام بوجه، كالوحدة، فكلّ ما يرتسم بمثل ذلك فهو غير قابل للقسمة الوضعيّة، و إلّا لا نقسم المعقول الّذي ارتسم فيه بانقسامه، فإنّ كلّ مرتسم في منقسم على سبيل الحلول السريانى فهو منقسم بانقسامه، و كلّ جسم فهو قابل للقسمة الوضعيّة، فالنّفس ليست بجسم و لا بقوّة حالّة في الجسم بالحلول السريانى.