تلخيص المحصل - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٦ - قال و الفرقة الثالثة الذين يعترفون بالحسيات و يقدحون في البديهيات
الأوّل، و هو المطلوب.
أقول: قد ظهر أنّ الحسّ ليس له حكم في شيء من المواضع، فبطل القول بأنّ حكم الحسّ قد يكون باطلا، و لذلك كان غير معتمد عليه.
قال: و أمّا الكلّيات فالحسّ لا يعطيها البتّة، فانّ الحسّ لا يشاهد إلّا هذا الكلّ و هذا الجزء. فأمّا وصف الأعظميّة فهو غير مدرك بالحسّ، و بتقدير أن يكون ذلك الوصف مدركا، لكنّ المدرك هو أنّ هذا الكلّ أعظم من هذا الجزء فأمّا أنّ كلّ كلّ فهو أعظم من جزئه فغير مدرك بالحس، و لو أدرك كلّ ما في الوجود من الكلّات و الأجزاء، لأن قولنا «كل كذا» ليس المراد منه كلّ ما في الوجود الخارجي من تلك الماهيّة فقط، بل كلّ ما لو وجد في الخارج لصدق عليه أنّه فرد من أفراد تلك الماهيّة، و ذلك ممّا لا يمكن وقوع الاحساس به. فثبت أنّ الحسّ لا معونة له على إعطاء الكلّيات، البتّة.
أقول: قد عدّ فى الحسيّات في صدر الباب العلم بأنّ الشمس مضيئة و النار حارّة من غير تقييدهما بما يجعل الحكم شخصيا، و حكم هاهنا بأنّ الحسّ لا يقوى على إعطاء الكلّيات البتة، و ذلك يقتضي أن لا يكون ما عدّه في الحسيات حسيّا، بلى مبدأه يكون حسيّا.
و قد قال هاهنا إنّ الحسّ لا يشاهد إلّا هذا الكلّ و هذا الجزء. فاذن لزمه أن يكون الحكم يكون النّار حارّة، و كون الكلّ أعظم من الجزء متساويا في كونهما عقليين و لهما مباد محسوسة، و هذا خبط ظاهر.
قال: و الفرقة الثالثة الّذين يعترفون بالحسيات و يقدحون في البديهيات.
قالوا: إنّ المعقولات فرع المحسوسات. و لذلك فانّ «من فقد حسّا فقد علما» كالاكمه و العنّين. و الأصل أقوى من الفرع.
أقول: إذا كان الاحساس شرطا في حصول حكم عقلىّ لم يجب من ذلك أن يكون الاحساس أقوى من التعقّل، فانّ الاستعداد شرط في حصول الكمال و ليس بأقوى من الكمال.