مزيل اللبس في مسألتي شق القمر و ردّ الشمس - الخرسان، السيد محمد مهدي - الصفحة ٢٩
فسبّهما النبي(صلى الله عليه وآله) وقال لهما: ما شاء الله أن يقول، قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء . قال: وغسل رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر ـ أو قال غزير، شك أبو علي أيهّما قال ـ حتى استقى الناس، ثم قال يُوشك يا معاذ إن طالت بكَ حياةٌ أن ترى ما ها هنا قد مليء جناناً"[١] .
فأما كتب السيرة فتروي قصة تبوك على صورة أخرى لا يرد فيها ذكر المعجزة، وإنّما تجري فيها الرواية على نحو غير ما ورد في صحيح مسلم . من ذلك ما رواه عنها ابن هشام إذ قال: قال ابن إسحاق: فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شَكَوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) . فدعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأرسل الله سبحانه السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء .
قال ابن إسحاق: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم! والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفي عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضاً على ذلك، ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحِجر ما كان ودعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) حين دعا فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى تروّى الناس قالوا أقبلنا عليه نقول: ويحك ؟ هل بعد هذا شيء ؟ قال: سحابة مارّة .
وهذا الاختلاف على الوقائع يجعل تأكيدها والقطع بها أمراً غير ميسور في نظر العلم، ويقتضي من الذين يمحّصونها ألّا يقفوا عند القول الراجح والمرجوح وقوفاً لا يثبت إحدى الروايتين ولا ينفي الأُخرى، وأقل ما يجب عليهم إذا لم تثبت الرواية عندهم أن
[١] راجع صحيح مسلم ٧: ٦٠ ط صبيح .