مزيل اللبس في مسألتي شق القمر و ردّ الشمس - الخرسان، السيد محمد مهدي - الصفحة ١٢٦
واقعة في أماكن متباعدة فكيف نحكم على تعاقبها الزمني ؟
إذا شاهد العالم خسوف القمر في الساعة الحادية عشرة، فمعنى هذا أنّ القمر لم يخسف في هذه الساعة، وإنّما خسف قبل المدّة التي قضاها الضوء في الوصول من القمر إلى الأرض ... ولو حدث أن كان عالم يرصد الخسوف من كوكب آخر، فإنّه يراه في لحظة تختلف عن اللحظات التي يشاهدها الباحث الأرضي بقدر اختلاف البُعد بين الكوكب الآخر والقمر وبُعد الأرض عن القمر، إذاً فلا يوجد زمان مطلق، وكذلك البُعد بين نقطتين على سطح الأرض، قد يكون حقيقة مطلقة يسهل على أهل الأرض الإتفاق عليها.
ولكن ما معنى البُعد بين نجمين يبعد كل منهما عنّا ملايين الملايين من الأميال .. هل نفترض أن سكان الأرض وسكان كوكب آخر سيتفقان على مقدار البُعد ؟
إذاً فالزمن والكُتلة والمسافة كلها أشياء نسبية ـ وأقرب توضيح لذلك قول القائل إنّه مسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار السريع، فيصل إليها في ساعتين ـ فقد يندهش شخص تعوّد السفر بالدابة، إذ يقطع هذه المسافة في أيام وليال ويقول: ما أسرع هذا القطار! وقد يندهش آخر تعوّد السفر بالطائرة، فهو يقطع المسافة في دقائق ويقول: ما أبطأ القطار... فالذي يعتبره الإنسان سريعاً قد يراه غيره بطيئاً، وما ذلك إلّا لأنّ كلاً منهما قد نسبه إلى سرعة معيّنة اعتادها، بل نحن في أغلب الأحيان نحسّ بثقل الوقت وبطء مروره، وفي أحيان أخرى نحسّ بسرعته وخفّة جريانه، وما ذلك إلّا تبعاً لحالة معيّنة نعانيها.
والقرآن الكريم قطعاً أول كتاب علمي أو ديني قد جاء بأساس النسبية، فقرر أنّ هناك يوماً طويلاً يبلغ ألف سنة مما نعدّ .. وهناك يوم يبلغ خمسين ألف سنة، وذلك في الآية الخامسة من سورة السجدة التي نصّها: ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ).