إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ١٧٩ - فصل جامع في صفة رسول اللَّه
عليهم، و يحذر الناس و يحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد بشره و لا خلقه، يتفقد أصحابه و يسأل الناس عما في الناس [١]، و يحسّن الحسن و يقويه، و يقبّح القبيح و يوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، و لا يغفل مغافة أن يغفلو أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق و لا يجوزه [٢] الذين يلونه من الناس، خيارهم و أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مؤاساة و مؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا يجلس و لا يقوم إلا على ذكر. و لا يوطن الأماكن و ينهي عن إيطانها [٣]، و إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس و يأمر بذلك، يعطي كل جلسائه نصيبه، و لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، و من جالسه أو قاومه في حاجة صابره، حتى يكون هو المنصرف، و من سأله حاجة لم يردّه إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس من بسطه و خلقه، فصار لهم أبا. و صاروا عنده في الحق متقاربين، متفاضلين بالتقوى متواضعين، يوقرون فيه الكبير، و يرحمون الصغير، و يؤثرون ذا الحاجة و يحفظون الغريب.
قال: قلت: كيف كانت سيرته في جلسائه؟ قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ و لا غليظ، و لا صخاب [٤] و لا فحاش و لا عيّاب و لا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهي. و لا يؤيس [٥] منه، و لا يخيّب فيه مؤمليه [٦]، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، و الإكثار، و ما لا يعنيه، و ترك الناس من ثلاث: لا يذم أحدا، و لا يعيّره، و لا يطلب عورته، و لا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، و لا يتنازعوا عنده الحديث، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم
[١] كذا في (خ) و في المرجع السابق «ما في أيدي الناس».
[٢] كذا في (خ)، و في المرجع السابق «يجاوزه».
[٣] إيطان المكان: التعود على الجلوس في مكان بعينه.
[٤] الصخّاب و السخّاب: بمعني، و هو الصياح.
[٥] في (خ) «يواس» و ما أثبتناه من (صفة الصفوة) ج ١ ص ١٦٠.
[٦] في (خ) «و لا يجب فيه» و ما أثبتناه من (صفة الصفوة) ج ١ ص ١٦٠.