إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٧٥ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
«أحيانا [١] يأتيني مثل صلصلة الجرس و هو أشدّه عليّ، فيفصم عني و قد وعيت
[١] [أحيانا]: جمع حين، يطلق على كثير الوقت و قليله، و المراد به هنا مجرد الوقت، فكأنه قال: أوقاتا يأتيني، و انتصب على الظرفية، و عامله «يأتيني» مؤخر عنه. و لابن حجر من وجه آخر عن هشام في بدء الخلق قال: كل ذلك يأتي الملك، أي كل ذلك حالتان فذكرهما، و روى ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون، أنه بلغه أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يقول: «كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل فيلقيه عليّ كما يلقي الرجل على الرجل، فذاك ينفلت مني. و يأتيني في بيتي مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي، فذاك الّذي لا ينفلت مني» و هذا مرسل مع ثقة رجاله، فإن صحّ فهو محمول على ما كان قبل نزول تعالى تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ [القيامة: ١٦]، فإن الملك قد تمثل رجلا في صور كثيرة، و لم ينفلت منه ما أتاه به، كما في قصة مجيئه في صورة دحية، و في صورة أعرابي، و غير ذلك، و كلها في الصحيح.
و أورد على ما اقتضاه الحديث- و هو أن الوحي منحصر في الحالتين- حالات أخرى: إما من صفة الوحي كمجيئه كدوي النحل، و النفث في الروع، و الإلهام، و الرؤيا الصالحة، و التكلم ليلة الإسراء بلا واسطة. و إما من صفة حامل الوحي كمجيئه في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح، و رؤيته على كرسي بين السماء و الأرض و قد سدّ الأفق. و الجواب: منع الحصر في الحالتين المقدم ذكرهما و حملهما على الغالب، أو حمل ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال، أو لم يتعرض لصفتي الملك المذكورتين لندورهما، فقد ثبت عن عائشة أنه لم يره كذلك إلا مرتين، أو لم يأته في تلك الحالة بوحي، أو أتاه به، فكان على مثل صلصلة الجرس، فإنه بيّن بها صفة الوحي، لا صفة حامله.
و أما فنون الوحي، فدوي النحل لا يعارض صلصلة الجرس، لأن سماع الدويّ بالنسبة إلى الحاضرين- كما في حديث عمر- يسمع عنده كدوي النحل، و الصلصلة بالنسبة إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فشبهه عمر بدوي النحل بالنسبة إلى السامعين، و شبّهه هو (صلى اللَّه عليه و سلم) بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه.
و أما النفث في الروع: فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين، فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس، نفث حينئذ في روعه. و أما الإلهام فلم يقع السؤال عنه، لأن السؤال وقع عن صفة الوحي الّذي يأتي بحامل، و كذا التكليم ليلة الإسراء.
و أما الرؤيا الصالحة: فقال ابن بطال: لا ترد، لأن السؤال وقع عما ينفرد به عن الناس، لأن الرؤيا قد يشركه فيها غيره. و الرؤيا الصادقة و إن كانت جزءا من النبوة، فهي باعتبار صدقها لا غير، و إلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيا و ليس كذلك، و يحتمل أن يكون السؤال قد وقع عما في اليقظة، أو يكون حال المنام لا يخفي على السائل، فاقتصر على ما يخفى عليه، أو كان ظهور ذلك له (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام أيضا على الوجهين المذكورين لا غير. و قد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة و أربعين نوعا- فذكرها- و غالبها من صفات حامل الوحي، و مجموعها يدخل فيما ذكر. و حديث «إن روح القدس نفث في روعي»، أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة، و صححه الحاكم من طريق ابن مسعود.
قوله: [مثل صلصلة الجرس]، في رواية مسلم: «في مثل صلصلة الجرس، و الصلصلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة: في الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين، و قيل: هو صوت متدارك لا يدرك في أول وهلة، و الجرس: الجلجل الّذي يعلق في رءوس الدواب، و اشتقاقه من الجرس بإسكان الراء و هو الحسّ.