إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٨٤ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
يأتيني مثل صلصلة الجرس، و هو أشده عليّ فيفصم عني و قد وعيت ما قاله، و أحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقوله [١]،
و إنما كانت الأولى أشد لأنها مبدأ الخروج في ذلك الاتصال من القوة إلى الفعل، فيعسر بعض العسر، و لذلك لما عاج [٢] فيها على المدارك البشرية اختصت بالسمع و صعب ما سواه، و عند ما يتكرر الوحي و يكثر التلقي يسهل ذلك الاتصال، فعند ما يعرج على المدارك البشرية يأتي على جميعها، و خصوصا الأوضح منها، و هو إدراك البصر، و في العبارة عن الوعي في الأولى بصيغة الماضي و في الثانية بصيغة المضارع لطيفة من البلاغة، و هي أن الكلام جاء مجيء التمثيل لحالتي الوحي، فتمثلت الحالة الأولى بالدويّ الّذي هو المتعارف [٣] غير كلام و إخبار، أن الفهم و الوعي يتبعه عقب [٤] انقضائه، فناسب عند تصوير انقضائه و انفصاله العبارة عن الوعي بالماضي المطابق للانقضاء و الانقطاع، و يمثل الملك في الحالة الثانية برجل يخاطب و يتكلم، و الكلام يساوقه الوعي فناسب العبارة بالمضارع المقتضى للتجدد.
و اعلم أن في حالتي الوحي كلها على الجملة صعوبة و شدة، قد أشار إليها القرآن الكريم، قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [٥] و قالت عائشة رضي اللَّه عنها: كان مما يعاني من التنزيل شدة، و قالت: كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، و إن جبينه ليتفصد عرقا، و لذلك ما كان يحدث فيه تلك الحالة من الغيبة و الغطط ما هو معروف.
و شبيه ذلك أن الوحي كما قررناه مفارقة البشرية إلى المدارك الملائكية، و تلقي كلام النفس، فيحدث عنه شدة من مفارقة الذات ذاتها، و انسلاخها من أفقها إلى ذلك الأفق الآخر، و هذا معنى الغط الّذي عبّر به في مبدإ الوحي في قوله: فغطني حتى بلغ من الجهد ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ [٦].
[١] سبق شرحه.
[٢] طريق عاج: ممتلئ (ترتيب القاموس) ج ٣ ص ١٥٨.
[٣] في (خ) «المتعاف».
[٤] في (خ) «عب».
[٥] آية: ٥/ المزمل.
[٦] آية: ١/ العلق.