إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٨٥ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
و قد يقضي الاعتبار فيه بالتدريج شيئا فشيئا إلى بعض السهولة بالقياس إلى ما قبله، و كذلك كانت تنزل نجوم القرآن [١]، و سوره و آياته حين كان بمكة أقصر منها و هو بالمدينة، و انظر إلى ما قيل في نزول سورة براءة [٢] في غزوة تبوك، و أنها أنزلت أو أكثرها على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يسير على ناقته بعد أن كان بمكة ينزل عليه بعض السورة من القصار المفصل [٣] في وقت، و ينزل عليه الباقي في حين آخر، و كذلك كان من آخر ما نزل عليه بالمدينة آية الدين [٤]، و هي ما هي بالطول، بعد أن كانت الآيات تنزل بمكة مثل آيات سورة الرحمن، و الذاريات، و المدثر، و الضحى، و العلق، و أمثالها، و اعتبر من ذلك علامة تميزها بين المكيّ و المدني من السور و الآيات، و اللَّه المرشد إلى الصواب. هذا ما تحصل من أمر النبوة.
[١] و اعلم أن القرآن نزل ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، في مكان يقال له: بيت العزة، على هذا الترتيب الّذي نقرؤه، فإنه توقيفي، ثم نزل على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في ثلاث و عشرين سنة، على حسب الوقائع لقوله تعالى: وَ لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَ أَحْسَنَ تَفْسِيراً [آية ٣٣/ الفرقان]، لكن لا على هذا الترتيب، فإنه نزل عليه ثلاث و ثمانون سورة بمكة، أي قبل الهجرة، ثم بالمدينة أحد و ثلاثين على التحقيق.
فأول ما نزل بمكة اقْرَأْ، و آخر ما نزل بها، قيل: العنكبوت، و قيل: المؤمنون، و قيل:
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. و أول سورة نزلت بالمدينة: البقرة، و آخر سورة نزلت بها: المائدة. و هناك بعض سور اختلف بها، منها الفاتحة، و يمكن تكرار نزولها.
و أما أول آية نزلت على الإطلاق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، و آخر آية على الإطلاق وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ [الآية ٢٨١ البقرة]. (حاشية العلامة الصاوي على الجلالين): ١/ ٤.
[٢] براءة: من أسماء سورة التوبة، و هي السورة رقم [٩] في المصحف، و عدد آياتها [١٢٩] آية:
نزلت بعد سورة المائدة، و هي من القرآن المدني، إلا الآيتين الأخيرتين فمكيتان.
[٣] سور المفصل: من أول سورة الحجرات حتى آخر القرآن الكريم.
[٤] هي الآية رقم ٢٨٢/ البقرة و هي أطول آية في القرآن الكريم، أولها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ.