إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٨٠ - خبر كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين خلّفوا
فجعلوا يعتذرون إليه و يحلفون له،- و كانوا بضعة و ثمانين رجلا-، فقبل منهم علانيتهم و أيمانهم. و قيل: بل خرج [١] عامّة المنافقين إليه بذي أوان،
فقال: لا تكلموا أحدا ممن تخلف عنا، و لا تجالسوه حتى آذن لكم، فلم يكلموهم.
المعذرون و قبول أعذارهم
فلما قدم المدينة جاءه المعذرون يحلفون له، فأعرض عنهم و أعرض المؤمنون، حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه و أخيه و عمه، فجعلوا يأتون النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و يعتذرون بالحمّى و الأسقام، فيرحمهم و يقبل علانيتهم و أيمانهم، و حلفوا فصدّقهم و استغفر لهم، و وكل سرائرهم إلى اللَّه.
خبر كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين خلّفوا
و جاء كعب بن مالك إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو جالس في المسجد، فلما سلّم عليه تبسّم تبسم المغضب ثم قال: تعال! فجاء حتى جلس بين يديه، فقال:
ما خلفك؟ أ لم تكن ابتعت ظهرك [٢]؟ فقال: بلى يا رسول اللَّه، و اللَّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا، و لكن و اللَّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا لترضي عني، ليوشكنّ اللَّه أن يسخط عليّ، و لئن حدثتك اليوم حديثا صادقا تجد على [٣] فيه، إنّي لأرجو عقبى اللَّه فيه. لا و اللَّه ما كان لي عذر! و اللَّه ما كنت أقوى و لا أيسر مني حين تخلفت عنك! فقال (عليه السلام): أمّا أنت فقد صدقت! فقم حتى يقضى اللَّه فيك.
فقام و معه رجال من بني سلمة، فقالوا له: و اللَّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا! و لقد عجزت ألا تكون اعتذرت بما اعتذر به المخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللَّه لك. حتى كاد أن يرجع فيكذّب نفسه، فلقيه معاذ بن جبل و أبو قتادة [٤]، فقالا لي: لا تطع أصحابك و أقم على الصدق، فإن اللَّه سيجعل لك فرجا و مخرجا إن شاء اللَّه تعالى، فأما هؤلاء المعذرون، فإن كانوا صادقين
[١] في (خ) «بلخرج».
[٢] الظهر: الركاب التي تحمل الأثقال.
[٣] تجد علي: تغضب علي.
[٤] في (خ) «و أبا قتادة».