إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٧٣ - آيات النبوة في الماء بتبوك
ظمأ الجيش بتبوك
فلما انصرف من الصلاة قال: أما إنهم لو أطاعوا أبا بكر و عمر رشدوا. و ذلك أنهما أرادا أن ينزلا بالجيش على الماء فأبوا ذلك عليهما [١]، فنزلوا على غير ماء بفلاة [٢] من الأرض.
فركب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلحق الجيش عند زوال الشمس- و نحن معه-، و قد كادت تقطع أعناق الرجال و الخيل و الركاب عطشا.
آيات النبوة في الماء بتبوك
فدعا بالرّكوة فأفرغ ما في الإداوة فيها، فوضع أصابعه عليها فنبع الماء من بين أصابعه، و أقبل الناس فاستقوا، و فاض الماء حتى تروّوا و أرووا خيلهم و ركابهم، و إن كان في العسكر اثنا عشر ألف بعير- و يقال خمسة عشر ألف بعير- و الناس ثلاثون ألفا، و الخيل عشرة آلاف فرس: و ذلك
قول النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لأبي قتادة احتفظ بالركوة و الإداوة.
و كان في تبوك أربعة أشياء [٣]: فبينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يسير منحدرا إلى المدينة- و هو في قيظ شديد-
عطش العسكر بعد المرّتين الأوليين عطشا شديدا، حتى لا يوجد للشّفة ماء قليل و لا كثير، فشكوا ذلك إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأرسل أسيد بن حضير- في يوم صائف و هو متلثم- فقال: عسى أن تجد لنا ماء!
فخرج أسيد- و هو فيما بين الحجر و تبوك- فجعل يضرب في كل وجه، فيجد راوية من ماء مع امرأة من بلي، فكلّمها و خبّرها خبر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقالت: هذا الماء، فانطلق به، فدعا فيه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالبركة، ثم قال: هلمّوا [٤] أسقيتكم! فلم يبق معهم سقاء إلا ملئوه، ثم دعا بركابهم و خيولهم فسقوها حتى نهلت. و يقال إنه (صلى اللَّه عليه و سلم) أمر بما [٥] جاء به أسيد فصبّه [٦] في قعب عظيم من عساس [٧] أهل البادية، فأدخل فيه يديه و غسل وجهه و يديه و رجليه، ثم صلّى ركعتين، ثم رفع يديه مدا،
[١] في (خ) «عليل عليهما».
[٢] في (خ) «بقلادة»، و الفلاة: الأرض الواسعة التي لا ماء فيها و لا أنيس.
[٣] في (خ) «أشياء» و ما أثبتناه من (ط).
[٤] كذا في (خ) «و الأولى «هلم»، فبها نزل القرآن.
[٥] في (خ) «بماء».
[٦] في (خ) «و صبه».
[٧] العساس: جمع عسّ: و هو قدح ضخم.